|  آخر تحديث يونيو 11, 2018 , 18:11 م

الإرهاب والغلو والتطرف والأمن القومى


الإرهاب والغلو والتطرف والأمن القومى



بقلم: د. محمود ضياء – ( مصر )

إستشارى الدفاع والأمن القومى

 

 

تتمثل خطورة الإرهاب فى أنه بات واقعاً مفروضاً وليس حالة وقتية طارئة، نتيجة لمساهمة الغلو والتطرف الفكرى فى الإنتشار الجغرافى للإرهاب، مع إتخاذ العديد من التنظيمات والفاعلين من غير الدول الدين عباءة لتحقيق مصالحها وأهدافها بإستثمار حالة عدم الإستقرار السياسى والأمنى التى شهدتها دول المنطقة، علاوة على التدخلات الدولية الرامية لتمزيق الدول العربية وتقسيمها على أسس طائفية وعرقية ومذهبية، الأمر الذى يدعونا لمحاولة إستكشاف أسباب الإرهاب، والطريقة المثلى للتعامل معه كفكر ومنهج وسلوك وواقع مفروض؟.

 

بداية نشير إلى أن الإرهاب كظاهرة مؤثرة على المجتمعات بدأ مع بداية القرن العشرين والتطور الهائل فى وسائل وأساليب القتل والعنف حيث ظهرت التنظيمات الإرهابية ذات تنظيم وتسليح حديث، ولها هياكل تنظيمية ومما زاد من تطور هذه الجماعات والتنظيمات قيام بعض الدول بتبنى هذه الجماعات لتنفيذ مهام لخدمة مصالحها. وقد عرف قانون العقوبات المصرى رقم (97) لعام 1992 فى مادته الثانية من القسم الأول من الباب الثانى من قانون العقوبات الإرهاب بأنه كل من إستخدم القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع لتنفيذ مشروع إجرامى فردى أو جماعى بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة وأمن المجتمع للخطر إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالإتصالات، أو المواصلات أو بالأموال أو المبانى أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو إحتلالها أو الإستيلاء عليها أو منع / عرقلة ممارسة السلطات العامة
أو دور العبادة ومعاهد العلم لأعمالهم ، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح.

 

وقبل أن أخوض فى أسباب الإرهاب دعونا نوضح سوياً الفرق بين التطرف والإرهاب والتى أوجزه فى أن التطرف يرتبط بالفكر بينما الإرهاب يرتبط بالفعل. فالتطرف يرتبط بالأفكار الشاذة البعيدة عن الإعتدال والسلوك القويم الذى يتماشى مع الأديان السماوية والأعراف والتقاليد السائدة فى المجتمع بكافة المجالات؛ السياسية والإجتماعية والدينية، دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية عنيفة فى مواجهة المجتمع أو الدولة، فالتطرف دائماً يكون في دائرة الفكر، ولكن حينما يتحول الفكر المتطرف إلى أنماط عنيفة من السلوك من إعتداءات على الحريات أو الممتلكات أو الأرواح أو تشكيل التنظيمات والميليشيات المسلحة التي تستخدم في مواجهة المجتمع والدولة فهو عندئذ يتحول إلى إرهاب. وكما يختلف التطرف عن الإرهاب تعريفاً وسلوكاً، أيضا تختلف طرق معالجة كل منهما، فالتطرف في الفكر تكون وسيلة علاجه هو الفكر والحوار والتعريف بصحيح الأديان السماوية والتى تدعوا دائماً إلى الوسطية ونبذ العنف وشيوع ثقافة التسامح والمحبة والمواطنة والتعايش السلمى، أما إذا تحول التطرف إلى إرهاب فهو يخرج عن حدود الفكر إلى نطاق الجريمة الأمر الذى يستلزم تغيير أسلوب التعامل معه من خلال إستخدام القوة الصلبة “الجيش والشرطة”، والتشريعات القانونية التى تجرم وتحاسب العناصر الإرهابية والمتطرفة.

 

 

وتتعدد أسباب التطرف والإرهاب ما بين أسباب إقتصادية وإجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية وإيديولوجية، يأتى فى مقدمتها الخطاب الديني المتطرف وإنتشار ثقافة عدم التسامح
أو التعايش مع الأخر، وإنتشار الخطاب الإيديولوجي والديني المسيس الذي يحض بشكل مباشر وغير مباشر على التطرف والإرهاب وهم عديدون ويوجدون في مواقع كثيرة في المجتمع، كذلك يبرز دور التعليم والتنشئة الإجتماعية الخاطئة القائمة على ثقافة الإستعلاء ورفض الآخر والتسفيه منه وإنتفاء ثقافة المشاركة، بالإضافة إلى تنامى الشعور بالقهر نتيجة المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية تجاه قضايا المنطقة العربية بصفة خاصة، والعالم بصفة عامة، فى ظل إستمرار دور القوى الفاعلة، سواء كانت دولاً وجماعات في تغذية التطرف والإرهاب لتحقيق أهدافها ومصالحها بمصر والمنطقة العربية، علاوة على ندرة القيادات والرموز الفكرية القادرة على توعية المواطنين بالتحديات والمخاطر والتهديدات التى تواجهها البلاد والمنطقة جراء إنتشار الإرهاب، يضاف إلى ذلك محدودية المنابر الإعلامية الوطنية المخلصة التى تعرض الحقائق وتدحض الشائعات لتتصدى للمنابر الإعلامية المحلية، والإقليمية التي تبث رسائل تحض على التطرف والكراهية والإرهاب.

ولمكافحة التطرف والإرهاب بادئ ذى بدء يجب الإهتمام بدور المؤسسات الدينية من خلال الخطاب الديني المعتدل، الذى يدعو لنبذ العنف والتطرف والتعريف بصحيح الأديان، والتصدي للمفاهيم الخاطئة التي تنتشر في المجتمع خاصةً بين الشباب، كما يجب الإهتمام بالإرتقاء بالجانب الثقافى من خلال التوسع في إصدار الكتب والمؤلفات التي تدعم المواطنة والتعايش مع الأخر وحرية الفكر والمعتقد التي تهدف إلى الرقى بثقافة النشء وتنمية المواهب وصقلها في المؤسسات التعليمية والثقافية بشكل منهجي منظم وتيسير الوصول إلى المنتج الثقافي من خلال التوسع في إنشاء المكتبات والمراكز الثقافية والأندية الأدبية، وكذلك مراكز الفنون التعبيرية والتشكيلية والموسيقية، والإستفادة من النشر الإلكتروني، إنشاء مواقع للتواصل الاجتماعي خاصة بالمصريين على غرار المعمول به فى الصين لمحاصرة التطرف، وثقافة العنف والإرهاب، علاوة على توحيد نظم ومناهج التعليم وتحديثها لتعزيز قيم التعددية والتعايش الإنساني، وتنقية برامج التعليم الديني من الأفكار التي تشجع التطرف، والعنف،
أو تستند إلى فهم خاطئ للنصوص الدينية، وذلك لمحاربة إنتشار التطرف عن طريق التعليم.

 

 

فى ضوء ما تقدم نوصى بضرورة تفعيل إتفاقيات تبادل المعلومات الإستخبارية حول أنشطة العناصر والتنظيمات والجماعات الإرهابية خاصة مع دول الجوار المباشر، والدول العربية، وكذا مع المنظمات الإقليمية والدولية، وتنسيق إستراتيجيات وتكتيكات مكافحة الإرهاب الدولى، والتحليل الدقيق لتكتيكات العناصر الإرهابية والتدريب على كيفية مواجهتها، مع أهمية إستيعاب وإعادة تأهيل العناصر التى نبذت الإرهاب وتعريفهم بصحيح الدين لإعادة دمجهم فى المجتمع بصورة صحيحة، بالتوازى مع الإستمرار فى تنفيذ الضربات الوقائية الإستباقية ضد الخلايا الارهابية وإحباط مخططاتها وشل قدراتها في الزمان والمكان المناسبين، وإستهداف وإضعاف القيادات الارهابية وزعزعتها وتحييدها وضرب إتصالاتها وروابطها البينية وتجفيف مصادرها البشرية والمالية والفكرية، مع ضرورة تجفيف منابع الإرهاب الإعلامية، والتأكيد على تنفيذ مواثيق الشرف الإعلامي التي تنصّ على مراعاة معايير المهنة وخاصة في صياغة الأخبار المتعلقة بالتطرف والإرهاب، وتنقية البرامج الإعلامية المختلفة من كل ما يشجّع على الخلاف والفكر المتطرف والتوجيه لإستخدام لغة حوار تستند على الحجج والبراهين والمنطق، والحث على تدريب الكوادر الإعلامية تدريباً مهنياً متقناً يساعدهم على طرح قضايا التطرف بشكل موضوعي ومقنع، بالتوازى مع توظيف الأعمال الفنية والثقافية المختلفة لمواجهة الفكر المتطرّف والتأكيد على دورها كقـوى ناعمة في إدارة التوجّه الثقافي مما يشكل درعاً فنياً وثقافيا في مكافحة التطرف والإرهاب.

وختاماً أؤكد أن المواجهة الأمنية لن تكون كافية للقضاء على التطرف والإرهاب وأن المواجهة الثقافية والفكرية للفكر المتطرف والإرهاب لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية والعسكرية لأن النجاح فيها يعنى إجتثاث جذور هذا الفكر وتجريد الجماعات التى تتبناه من المبررات التى تعتمد عليها ومن ثم حرمانها من القدرة على التلاعب بعقول الشباب أو إستغلال الظروف الإقتصادية والإجتماعية الصعبة فى بعض المجتمعات لنشر أفكارها الهدامة والخبيثة وأن أى إستراتيجية فاعلة لمواجهة التطرف والإرهاب ينبغى أن تركز على تعزيز قيم التسامح والوسطية والإعتدال وتشمل إلى جانب البعد الأمنى أبعاداً ثقافية ودينية وإجتماعية وتنموية ولا شك فى أن التعليم يعد أحد أهم الوسائل التى من شأنها أن تساعد على تنفيذ هذه الإستراتيجية بنجاح إذ أن تعليماً متطوراً يسعى إلى غرس قيم الإنفتاح وقبول الأخر والتسامح فى نفوس النشء والشباب من شأنه أن يجفف أى بيئة خصبة تستغلها جماعات التطرف والإرهاب لنشر أفكارها.

 

إن معادلة الأمن القومي تتمثل فى توفير الإحتياجات والحريات مما يؤدي إلى تحقيق الإستقرار والتنمية، ومصر وكافة دول العالم تسعى لتحقيق تلك المعادلة، فالأمن القومى فى أبسط تعريفاته هو التنمية ودولة لا تنمو لا يمكن أن تكون أمنة، فالأمن القومي هو قوة الدولة علي مواجهة كافة التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية وتحقيق التنمية الشاملة وحماية كيانها الذاتي لتحقيق الإستقرار والرفاهية للمجتمع، وأن جناحي الأمن القومي المصري هما القوات المسلحة والشرطة، وأن الأمن القومي يرتكز علي الإدراك والفهم والوعي، ووجود إستراتيجية للدولة لتأمين مواردها والتخطيط الاستراتيجي لسيناريوهات المواجهة لكافة التهديدات والتحديات، من هذا المنطلق يبرز الإرتباط الوثيق بين محاربة الغلو والتطرف والإرهاب أمنياً وفكرياً وتحقيق الأمن القومى والحفاظ على الدولة المصرية وتطويرها وبناء مصر الحديثة.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com