بقلم: مريم عبدالله القيواني
مستشارة | كاتبة | صحفية | إعلامية
ناشطة مجتمعية قانونية | باحثة في السيكولوجية البشرية والسلوكيات البشرية
هناك أذى ينتهي بمجرد وقوعه، وأذى آخر يستمر لأننا نحمله معنا كل يوم.
والسؤال ليس دائماً: كيف نسامح من أساء إلينا؟ بل: كيف نمنع الإساءة من أن تصبح جزءاً من حياتنا؟
في علم النفس، لا يُنظر إلى التسامح باعتباره مجرد تنازل عن الغضب أو محاولة لنسيان الماضي، بل يمكن أن يكون مساراً نفسياً يساعد الإنسان على التعامل مع تجربة مؤلمة بطريقة أكثر توازناً، بحيث لا تبقى مشاعر الغضب والمرارة مسيطرة على حاضره.
فالإنسان قد يتعرض للخيانة أو الخذلان أو الظلم، وينتهي الموقف، لكن تبقى تفاصيله حاضرة في الذاكرة.
يعيد التفكير فيما حدث، ويتساءل: لماذا فعلوا ذلك؟ ماذا كان يجب أن أفعل؟ وهل كان بإمكاني منع ما حدث؟
ومع استمرار الدوران داخل هذه الأسئلة، يتحول الماضي أحياناً إلى عبء حاضر.
التسامح لا يعني أن ما حدث كان مقبولاً
من الأخطاء الشائعة الخلط بين التسامح والتنازل.
يمكن للإنسان أن يسامح دون أن يبرر الإساءة، وأن يتجاوز دون أن يعيد العلاقة، وأن يضع حدوداً واضحة دون أن يعيش أسيراً للكراهية.
فالتسامح لا يلغي الحق، ولا يمنع طلب العدالة، ولا يعني منح الثقة مرة أخرى لمن فقدها.
وفي بعض الحالات، قد يكون الابتعاد عن العلاقة المؤذية هو القرار الأكثر صحة، بينما يكون التسامح قراراً داخلياً حتى لا يستمر الشخص الآخر في احتلال مساحة من حياتنا ومشاعرنا.
حين يتحول التسامح إلى نضج
التسامح الحقيقي لا يحدث دائماً في لحظة واحدة. أحياناً يحتاج الإنسان إلى الاعتراف بألمه أولاً، وفهم مشاعره، ووضع حدود تحميه، ثم الوصول تدريجياً إلى مرحلة لا يعود فيها الماضي قادراً على التحكم في حاضره.
وهنا تكمن قوته.
فالغاية ليست أن نقول: «لم يؤلمني ما حدث»، وإنما أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها القول: «نعم، تألمت، لكنني لن أسمح لهذا الألم بأن يحدد بقية حياتي».
والأصعب.. أن نسامح أنفسنا
قد يكون الإنسان قاسياً على نفسه أكثر من أي شخص آخر.
يلوم نفسه على ثقته بمن لا يستحق، أو على قرار اتخذه في وقت لم يكن يمتلك فيه كل المعلومات، أو على فرصة أضاعها، أو علاقة لم يعرف كيف ينهيها في الوقت المناسب.
لكن جلد الذات لا يعيد الماضي.
النضج النفسي أن نتعلم من أخطائنا دون أن نحكم على أنفسنا بالإدانة المؤبدة.
التسامح اختيار.. وليس واجباً
ليس مطلوباً من كل إنسان أن يسامح بالسرعة نفسها، ولا أن يتصالح مع من أساء إليه. فالتسامح تجربة شخصية، وقد تختلف من إنسان إلى آخر ومن موقف إلى آخر.
لكن ما يستحق التأمل هو ألا يتحول الغضب إلى إقامة دائمة داخلنا.
قد لا نستطيع تغيير ما حدث، ولا إعادة الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نقرر ألا نمنح الماضي سلطة كاملة على حاضرنا.
فالتسامح في أعمق معانيه ليس هدية نقدمها لمن آذانا، وإنما مساحة نستعيد فيها أنفسنا؛ نضع فيها حدودنا، نحفظ فيها حقوقنا، ونمضي قدماً بوعي أكبر.
فالسلام النفسي لا يعني أن الحياة لم تؤذنا، بل يعني أننا تعلمنا كيف نعيش دون أن نحمل كل أذى مررنا به معنا إلى الأبد.



(
(






