في طفولتنا، كان العالم أبطأ قليلًا، وكانت الأشياء تصل إلينا بعد انتظار، وربما لهذا كنا نعرف قيمتها حين تصل.
كان البيت مدرستنا الأولى، منه تعلمنا ما لا تستطيع الكتب وحدها أن تعلمه: كيف نحترم الكبير، ونصغي حين يتحدث الآخر، ونحفظ الكلمة، ونرد الجميل، ونعرف أن للإنسان حدودًا لا يتجاوزها حتى حين لا يراه أحد. ثم جاءت المدرسة فوسّعت ما بدأه البيت وفتحت لنا أبواب المعرفة، وبقي علينا أن نبحث عمّا نحب.
كانت هواياتنا محدودة بما تسمح به الظروف، وكانت القراءة تحتاج إلى شيء من التدبير. أذكر أنني كنت أستأجر الكتب التي أرغب في قراءتها ثم أعيدها بعد أن أنتهي منها، فشراء كل ما أحب لم يكن دائمًا في مقدوري. ولم أشعر يومها بالحرمان كنت سعيدة لأنني وجدت طريقًا يوصلني إلى الكتاب.
كان للكتاب موعد، وللصديق موعد، وللرياضة مكان، وللهواية وقت، وللمعلومة طريق نمشيه حتى نصل إليها. لم يكن العالم كله في أيدينا، فتعلمنا شيئًا من الصبر ونحن نمد أيدينا إليه.
ثم تغير كل شيء تقريبًا.
صار الكتاب قريبًا، والمعلومة أسرع من السؤال، والأصدقاء على بعد لحظة، والعالم كله يدخل بيوتنا من نافذة صغيرة نحملها أينما ذهبنا. شتان بين الأمس واليوم.
ومع ذلك، كلما تأملت هذا الفرق وجدت أن أكثر ما يستحق التأمل ليس ما تغيّر، بل ما لم يتغيّر.
فمن كان يبحث عن كتاب ليقرأه، ومن يصل اليوم إلى آلاف الكتب في لحظة، كلاهما أمام السؤال نفسه: ماذا سيفعل بما أُتيح له؟ ومن كان ينتظر لقاء صديقه، ومن يحادث من يشاء متى شاء، كلاهما أمام معنى الصداقة نفسه. ومن كان لا يقول كلمته إلا في مجلس محدود، ومن يرسلها اليوم إلى آلاف الناس، كلاهما أمام مسؤولية الكلمة.
تغيرت الوسائل، لكن الإنسان لم يُعفَ من مسؤولياته القديمة.
ولعل هذه إحدى مفارقات زماننا: أصبح الوصول إلى الأشياء أسهل، ولم يعد الوصول إلى الإنسان بالسهولة نفسها. نعرف أخبار من لا نعرفهم، ونرى تفاصيل حياة من لا تربطنا بهم صلة، ونخاطب العالم كله، ثم نعجز أحيانًا عن الإصغاء إلى إنسان يجلس بجوارنا. قد تكون المعرفة في متناول اليد، لكن الحكمة ما زالت تحتاج إلى إنسان. وقد تكون الكلمة أسرع من أي وقت مضى، لكن أثرها لم يصبح أخف.
وهنا يلتقي الإنسان بالقانون. فقد تصبح خصوصية إنسان مجرد صورة أو معلومة تُتداول في ثوانٍ، لكن حقه فيها لا يسقط لأن التقنية تغيرت. القانون يلاحق تطور الحياة ويضع لكل جديد إطاره، غير أن جوهر ما يحميه يبقى متصلًا بالإنسان: كرامته، وخصوصيته، وأمانته، وحقه في ألا يُظلم. فالمسؤولية لا تختفي خلف شاشة، والخطأ لا يقل أثرًا لأنه ارتُكب بضغطة إصبع. وكذلك الأخلاق فلم تعد مرتبطة بمجلس نجلس فيه أو طريق نمشيه مع الآخرين، إذ صار للإنسان حضور آخر في فضاء بلا جدران، وما يكتبه وينقله ويكشفه ويقوله عن الناس قد يترك أثرًا أبعد من كلمة قيلت في مجلس صغير.
لهذا لا أرتاح إلى القول إن جيلنا كان أفضل، أو إن جيل اليوم فقد ما كان عندنا. لكل زمن امتحانه، ولكل جيل ما لم يُتح لمن سبقه. ولعل السؤال أصلًا ليس: من كان أفضل؟ بل: ماذا صنع كل منا بما أُتيح له؟ فهناك من عاش بالقليل وصنع منه حياة غنية، وهناك من أحاط نفسه بالكثير فلم يجد فيه ما يملأ فراغه.
وهذا يعيدنا إلى معنى قديم لا يحتاج إلى تحديث: «المرء حيث يجعل نفسه». فالإنسان لا تحدده الأشياء التي يملكها، ولا العصر الذي وُلد فيه، ولا حجم الفرص التي أُتيحت له. حقيقتنا تتشكل في مساحة هادئة قلّما يراها الناس: كيف نتصرف حين نقدر على الإيذاء فلا نفعل، وكيف نحفظ سرًّا اؤتمنّا عليه، وكيف نستخدم قدرتنا حين لا رقيب، وكيف نعامل من لا نحتاج منه شيئًا. هناك، بعيدًا عن الصورة، يبدأ الإنسان في صناعة نفسه.
ولذلك ربما لا يكون ما ننقله إلى أبنائنا هو حكاياتنا عن زمننا، بل المعنى الذي عاش خلفها. لا نقول لهم إن الكتاب كان أجمل لأنه كان مستعارًا، ولا إن الماضي كان أفضل لأنه كان أقل ازدحامًا فلكل زمن جماله ونقصه. نقول لهم، دون أن نصرّح بذلك: إن قيمة الكتاب لم تكن في صعوبة الحصول عليه، بل في إنسان أراد أن يقرأ، وإن قيمة المعرفة ليست في طول الطريق إليها، بل في عقل يعرف ماذا يفعل بها. وإن الحرية مهما اتسعت لا تستغني عن المسؤولية، وإن القدرة لا تمنح صاحبها الحق في كل شيء، وإن الإنسان لا يكبر بما يستطيع فعله فحسب، بل بما يعرف أنه لا ينبغي له فعله.
ولهذا أعود إلى تلك الصورة الصغيرة من طفولتي: كتاب أستأجره، أقرأه، ثم أعيده. لم يكن في الأمر بطولة ولا حكاية تُروى، لكنه يبدو لي اليوم كأنه يحمل شيئًا من فلسفة الحياة: حين لا نستطيع امتلاك كل شيء، نتعلم أن ننتفع بما نصل إليه، ثم نتركه بعد أن نأخذ منه ما ينفعنا.
ولعل الحياة نفسها كذلك. نأتي إليها ولا نملكها، ونعبرها دون أن نحتفظ بكل ما فيها، نلتقي بأناس ثم نفارقهم، ونأخذ من أيامنا دروسًا وذكريات ونترك وراءنا الكثير. ويبقى السؤال الأخير ليس كم كان لدينا، ولا كم تغير العالم من حولنا، بل ماذا فعلنا بما مرّ بين أيدينا.
سيمضي الزمن، وستأتي أجيال بأدوات لا نعرفها، ويصبح ما نراه اليوم مدهشًا أمرًا عاديًا في عيونها، ويصير «أمسنا» ماضيها الذي تحكي عنه. لكن أجمل ما يبقى من أي زمن ليس أدواته ولا مظاهره، بل الإنسان الذي حافظ على إنسانيته وسط كل هذا التغير. فالاحترام لا يشيخ، والأمانة لا تتقادم، والرحمة لا تحتاج إلى تحديث، والعدل لا يتغير بتغير الوسائل، والوفاء لا يرتبط بعصر.
تتبدل الحياة حولنا كثيرًا…ولا يبقى منا في النهاية إلا ما أحسنّا حفظه من أنفسنا.
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(




