بقلم المحامية شيرين كم نقش
يا ابن جلدتي…
كم هو محزن أن يصل بنا الغياب إلى تلك اللحظة التي نكتشف فيها، متأخرين، أن بعض الذين مرّوا في حياتنا لم يكونوا مجرد أشخاص نلتقيهم ونفترق عنهم، وإنما كانوا جزءًا من دفء العالم الذي كنا نعيش فيه.
الغياب … يفعل شيئًا غريبًا بنا يأخذ الإنسان من أمام أعيننا، ثم يعيد إلينا تفاصيله واحدةً واحدة… صوته، طريقته في الكلام، ضحكته، حضوره في المكان، وحتى تلك الأشياء الصغيرة التي لم نكن نلقي لها بالًا ونحن نملك نعمة وجوده.
وفجأة يصبح كل شيء يقول لنا: كان هنا.
يا ابن جلدتي، كم من إنسان كانت عشرته توازي العمر، وربما تجاوزته، عاش معنا من الأيام ما يكفي لأن يصبح جزءًا من ذاكرتنا، ومن عاداتنا، ومن صورتنا عن الحياة. ثم يغيب، فنكتشف أن رحيله لم يأخذ شخصًا فقط، بل أخذ معه زمنًا لا يمكن استعادته.
وهنا يبدأ العتاب…
ليس عتابًا لأحد بعينه، وإنما عتاب الإنسان لنفسه، ولتلك الغفلة التي تجعلنا نؤجل الجميل وكأنه مضمون: زيارة نؤجلها، سؤالًا نؤجله، كلمة محبة نظن أن وقتها سيأتي، ولقاءً نقول عنه: «لاحقًا»…
ثم يأتي ذلك اللاحق الذي لا يأتي.
كم نحتاج، يا ابن جلدتي، إلى أن نفهم أن بعض الأشياء لا ينبهنا إلى قيمتها إلا فقدها، وأن الإنسان قد يعيش سنوات بجوار نعمة عظيمة دون أن يسميها نعمة، فقط لأنها أصبحت جزءًا من يومه.
حتى يأتي الغياب عندها فقط نعرف أن وجود بعضهم كان يملأ العالم دفئًا، وأن البيت لم يكن بيتًا بجدرانه، وأن بعض الأماكن لم تكن جميلة بذاتها، وإنما كانت جميلة بمن كانوا يجلسون فيها.
ولكن كيف نعوّض؟
هذا هو السؤال الذي يتركه الغياب مفتوحًا في القلب.
والحقيقة أن بعض البشر لا يُعوَّضون، لأن التعويض يفترض أن هناك شيئًا يمكن أن يحل محل شيء، بينما هناك علاقات تصنعها سنوات طويلة من العِشرة، والتجارب، والذكريات، والمواقف، فلا يستطيع أحد أن يأتي بعدها ليحتل المكان نفسه.
لكن ربما لا يكون المطلوب أن نعوّضهم ربما المطلوب أن (نحملهم).
أن نحمل شيئًا منهم فينا في طريقة محبتنا، وفي رحمتنا، وفي الكلمات التي نقولها لمن حولنا، وفي حرصنا على ألا نكرر مع الأحياء ما يؤلمنا اليوم حين نتذكر أننا لم نمنح الغائبين ما كان يمكن أن نمنحهم.
فبعض الغائبين يتركون خلفهم فراغًا لا يملؤه أحد، لكنهم يتركون أيضًا أثرًا يمكن أن يملأ شيئًا فينا.
وهذا، في ظني، هو الجانب الأكثر رحمة في الحكاية.
أن يتحول الفقد من مكان فارغ إلى معنى، وأن يتحول الحنين من وجعٍ لا نحتمله إلى امتنان لما كان، وأن نقول لمن رحلوا في سرّنا: لم نعرف، ونحن نعيش معكم، كم كنتم تجعلون الحياة أدفأ.
يا ابن جلدتي…
لعل أقسى ما في الغياب أنه لا يمنحنا فرصة أخرى لنقول ما تأخرنا في قوله ولعل أجمل ما نستطيع فعله الآن أن نتعلم منه، لا أن نبقى أسرى له.
أن نلتفت إلى الوجوه التي ما زالت حولنا، إلى الذين ما زالت أصواتهم تصلنا، وأيديهم تمتد إلينا، ومقاعدهم ما زالت تنتظرنا.
فالحياة لا تعيد الذين أخذهم الغياب، لكنها تمنحنا، ما دام في العمر بقية، فرصة ألا نكرر الغفلة نفسها, وإذا كان لا بد من تعويض، فلنحاول أن نعوّض الحاضر عن تقصيرنا في حق الغائب.
فربما كانت أجمل طريقة نكرم بها من فقدناهم، أن لا ننتظر فقدًا جديدًا حتى نعرف قيمة من بقي.
فالغياب، يا ابن جلدتي، لا يعلّمنا كيف نعيش من دونهم فقط…إنه يعلّمنا، بعد فوات الأوان، كيف كان ينبغي أن نعيش وهم معنا.



(
(





