|  آخر تحديث أكتوبر 23, 2018 , 22:12 م

#رنا_مروان | تكتب: ” أنا أنهار “


#رنا_مروان | تكتب: ” أنا أنهار “



من أقرب الكلمات إلى روحي شخصياً “) 💙✨
أنا أنهار، بطريقة ٍ ما أو بأخرى أنا لا أعود كما السابق ِ إطلاقاً، ما عاد ما فِيَّ يُشبهني كما المُعتاد وصورتي في المرآة لا تشبه الصورة التي اعتدت عليها من نفسي منذ أقرب من عهدي تألق ٍ متتابِعَيَنْ، شيءٌ ما فيَّ لا ينتمي إلى ما أنا فيه، وحالة عدم الإنتماء هذه تُقلقني وتزعجني في كل يوم ٍ أكثر من أي شيءٍ آخر، أنْ تشعر وكأنك غريبٌ على كل ما أنتَ فيه، شعورٌ بالوحدة يستملكك ويستحوذ على كل انتباهِك وطاقاتك، شيءٌ ما لا تشعر به وكأنه حقيقة، إلا أنّه واقعٌ بلا مَحاله، أنت فقط لا تشعر وكأنك قادرٌ على وصفه، وعدم قدرتنا على وصف الأشياء لا يعني أنها غير موجودة، على العكس تماماً، أن تشعر بالشيء حِسيّاً دون قدرة على ترجمته على أرض الواقع شعورٌ يُشبه معنى الألم والبؤس الدفين.
أنا أنهار، في كل يوم ٍ أستيقظ على أمل أن لا يكون الماضي مما عايشته إلا مجرد كابوس مظلم ٍ وانتهى، إلا أنني لا أشعر إلا بمزيد ٍ من الوحدَة تغزو روحي وتستنزفها، أنظر إلى نفسي في المرآة، المزيد من الصور المُبهمة ذات الملامح المبعثرة مثل لعبة الصور المفككة والتي تحتاج إلى ترتيب دقيق حتى تؤول إلى شيءٍ ذات مغزى ودلالة واضحة في النهاية، إلا أنني أتسائل دائماً عن حقيقة هذه النهاية وصورتها، ما الذي ستؤول إليه الصورة الناتجة عن تجميع مفردات آلاف القطع المشتتة من روحي هُنا وهُناك؟ ما الذي سينتج عن كل هذا الشتات يا تُرى؟ هل عساها صورنا الحقيقية تختبىء تحت ذلك الضباب المبهم والذي يُريها بهذه الصورة المبعثرة؟ أم أنّها حقّاً مبعثرة وتحتاج إلى ترتيب من البداية؟
أسئلة كثيرة تدور في ذهني كل صباح، كُل مساء، وأثناء إحتسائي لكل فِنجان قهوة، الحقيقة ” أنا أنهار ” لا تعني وصفاً بالغ الدقة لكل ما يحدث في الداخل لدينا على الاطلاق، أنا أنهار، تعني أنني أُستنزَف، أنني أركضُ في كل الإتجاهات بحثاً عن أيِّ دليل أو إشارة قد تقودني إلى شيءٍ ما واضح المعالِم، أتشبت به فيؤيني، أستمسك به فيحميني، أنا أنهار، تعني أنّ هناك آلافاً من المدن العامرة في الداخل لديّ تتعرض لقصف ٍ مستمر يحولها إلى الزوال، تعنّي أنني ما عدت قادرة على حماية تلك المدن التي اتخذت من روحي موطِناً لها، أنني ما عدت قادرةً حتّى على رِثائها، أو إزالة آثار الدمار من بعدها، ألا نبدو في بعض الأحيان لا نشبه أنفسنا؟ تلك هي الحالة التي يغزو الدمار فيها إيانا دون أدنى قدرةٍ منا على إزالته أو التخفيف من وطأته، أنا أنهار، تعني أنني أستمع لأنين الداخل لديّ بشكل مستمر، ذلك الأنين يشبه بألمه أنين طفل ٍ ناج ٍ من الدمار، طفلٍ رأى المدافع والصواريخ تتوعد والبنايات بعظمتها تنهار في أقل من لحظات، طفل رأى الأحلام تتطاير أرواحها نحو السماء، والدمار يهدده من فوقه ومن أسفل منه إلى أن بقيَ وحيداً يئنُّ الألم في الدمار الخاوي، نعم أنا أنهار، تعني أنني أستمع لأنين داخليٍّ يفوق الوصَف فظاعته، أنين يجبرني على البكاء وإيّاه رغماً عنّي، ألا تسقط من أعيننا دموعا ً بلا أدنى سبب أحياناً؟ تلك هي دموع الأنين، ومن قد يستوعب حينها أنك تبكي أنينك بكل وجع ولكن لا يشعرون.
أنا أنهار، تعنّي أنني أتهشّم بفعل تصدّعات روحي ونفسي، أنني لا أقوى مجاراة كل شيء، وأنّ هنالك شيءٌ ما أكبر من قدرتي على استيعابه، أنا أنهار، تعني أنني أدعو الله في كل يوم الراحة والأمان، الدفىء والاطمئنان أكثر من أيّ شيءٍ آخر، تعني أنني أستعينُ بالله على كل شيء إذ أن كل ما في الخارج لا يدرك فعلياً معنى الإنهيار وحقيقته، من ذا الذي سيحتويك إن قلت أنّك تتعرض لعواصف ثلجية في روحك تكاد أن تنهيك ونحن في صُلب فصل الصيف؟ ومن ذا الذي بإمكانه أن يتخيل روحك المستعرة في داخلك بفعل الظلم ونحن في أشد مراحل فصل الشتاء؟ لا أحد، الحقيقة أنّ لا أحد لديه القدرة الخيالية لتصوّر كل ما يجتاحك، ولا حتّى الضمير الحيّ الذي يسمح له بوضع نفسه مكانك، أنا أنهار، تعني أنني أرى كُل الخلق في عيني يرددون ” اللهمَّ نفسى ” ورب الخلق يدعوني إليه بلطف ٍ ” ادنو إليّ عبدي ” .
هل سمع أحدٌ منكم يوماً صوت تهشّم زجاج النوافذ؟ أو حتّى صوت تهشّم السيارات بعد اصطادمها بفعل حادث أليم؟ هل ارتجفت قلوبكم من البرد يوماً في صلب ليلة صيفية حارقة؟ أو حتّى لامس أرواحكم طيف لهيب مستعر في أحد الليالي الباردة؟ هل سقط من أحدكم يوماً كوباً زجاجياً دون إرادة؟ هل سمعتم ذلك الصوت الناجم عن كل إنكسارة من تلك الأصوات؟ إنها وبكل بساطة أصوات الإنهيار، فأنا أنهار، تعني وبكل بساطة أنني أتهشّم في داخلي وأنتم لا تشعرون، وأستمع لكل تلك الأصوات المجللة لوحدي وأنتم في الخارج تضحكون، تثرثرون أو حتى تتهامسون، أرى على وجوهكم علامات تفيد بِـ ” اللهمّ نفسى ” فأمتنع النظر إليكم ملتفةً إلى الأعلى، تجاه من يناديني برفق ٍ ” عبدي، عبدي “
بقلم: رنا مروان – ( الأردن )

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *