بقلم المحامية : شيرين كم نقش
قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وأنا أخطو أولى خطواتي في عالم المحاماة، كنت متدربة في مكتب أستاذ جليل يُعد من شيوخ هذه المهنة. وإلى جانب عمله في المحاماة، كان معتمدًا محكمًا في دعاوى التفريق الأسري، فيعقد جلسات يحاول فيها أن ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تصل العلاقة إلى نقطة اللاعودة.
ولأنني كنت شغوفة بالتعلم، كان يسمح لي بحضور تلك الجلسات، ولم أكن أدرك آنذاك أنني لا أتعلم القانون وحده، بل أتعلم الإنسان أيضًا.
مرت السنوات، وتغيرت وجوه كثيرة، لكن مشهدًا واحدًا بقي ثابتًا لا يكاد يتغير، كان الزوج يبدأ حديثه قائلًا: أنا فعلت… أنا تحملت… أنا ضحيت… أنا ظلمت.
ثم تبدأ الزوجة بالأسلوب ذاته: أنا صبرت… أنا بكيت… أنا تنازلت… أنا خسرت.
كان ضمير “أنا” يحتل المجلس كله، حتى يكاد لا يترك مكانًا لضمير آخر اسمه “نحن”.
ولم يكن كل طرف يروي قصته بقدر ما كان يفتش في ذاكرته عن كل ما يسيء إلى الآخر، فتتحول سنوات من المودة إلى قائمة طويلة من الاتهامات، وكأن الحياة المشتركة لم تعرف يومًا جميلًا، وكأن المعروف الذي صُنع بالأمس قد مُحي من الذاكرة بمجرد أن حضر الخلاف.
وفي كل مرة، كانت الآية الكريمة تمر في خاطري بصمت:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
ما أعجب الإنسان حين يغضب… يستطيع أن ينسى سنوات من الوفاء بسبب لحظة خلاف، وأن يمحو مواقف النبل بكلمة قاسية، وأن يهدم تاريخًا كاملًا لأنه لم يعد يرى إلا نفسه.
ومع مرور الزمن، أدركت أن كثيرًا من القضايا لا تبدأ في المحكمة، بل تبدأ يوم يصبح كل طرف أسيرًا لـ”أنا”. فعندما تتضخم الذات، تضيق مساحة الإنصاف، ويصبح الاعتراف بالخطأ هزيمة، والاعتذار انكسارًا، والتنازل ضعفًا، بينما هو في الحقيقة قمة النضج.
ولم أعد أرى هذا المشهد في الخلافات الزوجية وحدها، بل وجدته يتكرر في الشراكات التجارية التي انتهت بالخصومة، وفي صداقات انطفأت بعد سنوات من الوفاء، وبين الإخوة عند تقسيم الإرث، بل وحتى في علاقات العمل.
وكأن الشيطان وجد في ضمير “أنا” بابًا واسعًا يدخل منه إلى القلوب، فيحول الحوار إلى معركة، والاختلاف إلى خصومة، والخطأ إلى إدانة أبدية.
ومن واقع الخبرة، أستطيع القول إن القانون يستطيع أن يحسم النزاع، لكنه لا يستطيع أن يعيد المودة، ولا أن يمحو كلمة جارحة، ولا أن يرد قلبًا انكسر بسبب قسوة اللسان، فالأحكام تنهي الخصومات، لكنها لا تبني العلاقات من جديد.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يسبق أي خلاف ليس مذكرة قانونية، ولا دفاعًا بارعًا، بل لحظة صدق يسأل فيها الإنسان نفسه: هل أتحدث بلسان العدالة… أم بلسان “أنا”؟
وربما لهذا جاءت الحكمة الإلهية موجزة وعميقة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. فلو بقيت هذه الكلمات حاضرة في لحظات الغضب، لما وصلت علاقات كثيرة إلى أبواب المحاكم، ولما تحولت ذكريات العمر إلى أوراق دعوى، ولظل في القلب متسعٌ لإنسانيةٍ لا يستطيع أي قانون، مهما بلغ من العدالة، أن يصنعها.



(
(






