بقلم: مريم عبدالله القيواني
باحثة في السيكولوجيات والسلوكيات البشرية
قد نقضي سنوات ونحن نبحث عن الشخص الذي أساء إلينا، وعن العلاقة التي استنزفتنا، وعن الموقف الذي كسر شيئاً في داخلنا… وننسى أحياناً أن هناك صوتاً يرافقنا طوال الوقت، وقد يكون أكثر قسوة علينا من أي شخص آخر: صوتنا الداخلي.
ذلك الصوت الذي لا يسمعه أحد، لكنه يعرف نقاط ضعفنا جميعاً.
يذكّرنا بما أخطأنا فيه، ويعيد علينا مواقف قديمة، ويقارننا بالآخرين، ويطالبنا بأن نكون أفضل طوال الوقت، ثم يحاسبنا بقسوة عندما نعجز عن الوصول إلى الصورة المثالية التي رسمناها لأنفسنا.
من هنا تأتي أهمية ما يطرحه الدكتور محمد إبراهيم حول إعادة ترتيب علاقتنا بأنفسنا؛ فقبل أن نطالب الآخرين باحترام مشاعرنا، ربما نحتاج أولاً إلى أن نتعلم كيف نحترمها نحن.
جلد الذات ليس تربية
هناك فرق بين أن تراجع نفسك وأن تعاقبها.
مراجعة النفس تمنحك فرصة للتعلم، أما جلد الذات فيبقيك أسيراً للماضي.
عندما يخطئ الإنسان ثم يقول: «أخطأت، وسأتعلم من ذلك»، فهو يتحرك إلى الأمام.
أما عندما يقول: «أنا دائماً أخطئ، أنا لا أصلح، لماذا أنا هكذا؟»، فإنه لا يعالج الخطأ، بل يضيف إليه جرحاً جديداً.
الخطأ يحتاج إلى تصحيح، وليس إلى إهانة الذات.
وهنا تبدأ المصالحة الحقيقية مع النفس: أن تكون صادقاً مع أخطائك، ولكن رحيماً بنفسك في الوقت ذاته.
لا تجعل الآخرين مسؤولين عن سعادتك
من أكثر الأشياء التي تستنزف العلاقات الإنسانية التوقعات غير المعلنة.
نريد من الآخر أن يفهمنا دائماً، وأن يعرف ما نحتاج إليه دون أن نقوله، وأن يتصرف بالطريقة التي نراها صحيحة، وأن يثبت لنا باستمرار أنه يهتم بنا.
وحين لا يحدث ذلك، تبدأ الخيبة.
لكن خفض التوقعات لا يعني قبول الإهمال أو التنازل عن الكرامة والحقوق، وإنما يعني أن ندرك حقيقة بسيطة:
الناس ليسوا نسخاً منا.
قد يحبك شخص بطريقة مختلفة عن طريقتك، وقد يهتم بك دون أن يجيد التعبير، وقد يختلف معك دون أن يكون ضدك.
النضج النفسي لا يعني ألا نتوقع شيئاً من الآخرين، وإنما أن تكون توقعاتنا واقعية ومتوازنة.
«لا» ليست كلمة عدائية
كم من شخص أنهك نفسه لأنه لم يتعلم أن يقول «لا».
وافق على ما لا يريد، وتحمل ما لا يستطيع، وسكت عن أشياء تؤلمه، فقط حتى لا يخسر شخصاً أو يبدو أنانياً.
لكن الحدود الشخصية ليست جداراً نعزل به الآخرين؛ إنها باب نحدد من خلاله كيف يُسمح للآخرين بالتعامل معنا.
أن تقول «لا» لشيء يؤذيك لا يعني أنك شخص سيئ.
وأن تبتعد عن علاقة تستنزفك لا يعني أنك تكره صاحبها.
وأحياناً يكون الحفاظ على السلام النفسي بحاجة إلى موقف واضح أكثر من حاجته إلى شرح طويل.
هل تستحق… أم تقارن نفسك؟
الرغبة في حياة أفضل أمر طبيعي.
لكن هناك فرق بين أن تطمح إلى تطوير نفسك، وبين أن تنظر إلى حياة الآخرين وتشعر أن ما لديهم هو دليل على أنك محروم.
الاستحقاق الصحي يدفع الإنسان إلى العمل:
«أريد الأفضل، وسأعمل لأصبح مستعداً له.»
أما الاستحقاق الوهمي فيجعله يقول:
«لماذا حصل الآخرون على ما أريده وأنا لم أحصل عليه؟»
الأول يبني الإنسان، والثاني يستنزفه.
الإرادة لا تأتي دفعة واحدة
نحن نبالغ أحياناً في انتظار اللحظة المثالية للتغيير.
نقول: سأبدأ عندما أتحمس، عندما أرتاح، عندما تتغير ظروفي، عندما أجد الوقت المناسب.
لكن الحياة لا تقدم لنا دائماً الظروف المثالية.
لذلك قد يكون الطريق الأكثر واقعية هو أن نبدأ بخطوة صغيرة نستطيع تكرارها.
عادة بسيطة اليوم، ثم أخرى غداً، ثم الاستمرار.
فالانضباط الذي يبدو صغيراً في بدايته قد يصنع مع الوقت شخصية أكثر قدرة على التحكم في قراراتها.
لا تكتفِ بمقاومة العادة… اصنع بديلاً
بعض العادات لا تختفي بمجرد أن نقرر التوقف عنها، لأنها مرتبطة بمشاعر أو مواقف معينة.
قد يأكل الإنسان عندما يشعر بالتوتر، أو يتصفح هاتفه عندما يشعر بالملل، أو ينسحب من الآخرين عندما يشعر بالخوف.
لذلك، بدلاً من التركيز على المنع فقط، يمكن البحث عن سلوك بديل يؤدي وظيفة أكثر صحة.
عندما تشعر بالتوتر، تحرك.
عندما تشعر بالضيق، تحدث مع شخص تثق به.
عندما تشعر بالفراغ، مارس نشاطاً حقيقياً.
العقل يحتاج أحياناً إلى بديل، وليس إلى أوامر فقط.
الراحة ليست كسلاً
هناك ثقافة حديثة جعلت الانشغال دليلاً على النجاح.
كلما زادت المهام، شعر الإنسان أنه أكثر أهمية.
لكن الاستمرار في العمل دون توقف لا يعني بالضرورة الإنتاجية؛ فقد يكون مجرد استنزاف.
الراحة ليست انسحاباً من الحياة، وإنما جزء من القدرة على الاستمرار فيها.
والإنسان الذي يمنح نفسه وقتاً لاستعادة طاقته قد يعود أكثر وضوحاً في التفكير، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأقل اندفاعاً.
عندما يصبح التفكير سجناً
التفكير نعمة عندما يقود إلى فهم أو قرار.
لكنه يصبح عبئاً عندما يعيد السؤال نفسه دون نهاية.
ماذا لو حدث كذا؟
لماذا قال ذلك؟
هل كان يقصدني؟
ماذا لو تصرفت بطريقة مختلفة؟
وقد يمر الليل بينما العقل ما زال يعيد محادثة حدثت قبل أيام أو سنوات.
هنا لا يعود التفكير وسيلة للحل، بل يتحول إلى دائرة استنزاف.
والفرق مهم بين القلق الذي يدفعك إلى اتخاذ خطوة، والقلق الذي يمنعك من اتخاذ أي خطوة.
وإذا أصبح التفكير المفرط أو القلق مستمراً ومؤثراً في النوم أو العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، فإن الاستعانة بمختص نفسي ليست ضعفاً، بل خطوة واعية للعناية بالنفس.
البداية ليست مع الآخرين
ربما نحتاج في بعض مراحل حياتنا إلى أن نتوقف عن سؤال:
«لماذا يعاملني الآخرون بهذه الطريقة؟»
ونسأل بدلاً منه:
«كيف أسمح لنفسي أن تُعامل؟ وكيف أتعامل أنا معها عندما تخطئ؟»
فليس كل ما يحدث لنا تحت سيطرتنا، لكن طريقة استجابتنا، وحدودنا، ونظرتنا لأنفسنا، وقراراتنا اليومية، كلها مساحات يمكننا أن نعمل عليها.
قد لا نستطيع تغيير الآخرين.
وقد لا نستطيع إعادة الماضي.
وقد لا نستطيع التحكم في كل ظروف الحياة.
لكننا نستطيع أن نتعلم ألا نكون نحن الشخص الذي يزيد ألمنا ألماً.
فالسلام النفسي لا يعني أن تختفي المشكلات من حياتك، وإنما أن تتعلم كيف تواجهها دون أن تخسر نفسك في الطريق.
وربما تكون أول جلسة نفسية حقيقية لا تحتاج إلى كرسي مريح ولا غرفة هادئة…
بل تحتاج إلى لحظة صدق مع الذات، نقول فيها:
«أنا أخطأت… لكنني لست خطئي.
تعبت… لكنني لست ضعيفاً.
خُذلت… لكنني لست بلا قيمة.
وسأتعلم أن أكون إلى جانب نفسي، لا ضدها.»
وهنا تحديداً يبدأ التغيير.



(
(





