بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
من الأسرة تبدأ الحكاية، ومن المعلم يكتمل الطريق؛ فخلف كل طالبٍ ناجح معلمٌ علّمه، وآمن به، وصبر عليه، وترك في نفسه أثرًا لا تمحوه السنوات.
وفي حكايتي مع التعليم، كان والدي، رحمه الله، حاضرًا في بدايات الطريق، بما غرسه في نفسي من قيمٍ ومبادئ ودافعٍ إلى الاستمرار، وكانت أمي معلمتي الأولى، قبل أن أعرف معنى المدرسة، أو أمسك كتابًا، أو أجلس على مقعد دراسي.
من أمي تعلّمت أول الحروف، ومن والدي تعلّمت أن العلم مسؤولية، وأن الإنسان لا يصل إلى أهدافه إلا بالصبر والاجتهاد. ومنهما بدأت علاقتي بالتعلّم، ثم اتسعت دائرة معلميّ ومعلماتي وأساتذتي ودكاترتي، الذين ترك كل واحد منهم أثرًا في مرحلة من مراحل حياتي.
قال الله تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
فالعلم رحلة لا تنتهي بشهادة، وإنما يبني بها الإنسان عقله وشخصيته، ويوسّع آفاقه، ويمكّنه من خدمة وطنه ومجتمعه.
وفي يوم المعلم، لا تكفي كلمات الشكر أمام رسالةٍ تتجاوز شرح الدروس ونقل المعرفة؛ فالمعلم الحقيقي يفتح نافذةً في عقل الطالب، ويزرع في قلبه ثقةً قد يحتاج إليها طوال حياته.
إلى كل معلم ومعلمة، وكل أستاذ ودكتور علّمني يومًا… شكرًا.
شكرًا لمن صبر على أسئلتي ومحاولاتي، ولمن رأى في اجتهادي ما قد لا أراه أنا في نفسي، ولمن قال لي في الوقت الذي كنت أحتاج فيه إلى سماعها: أنتِ تستطيعين.
وفي التعليم، تظهر الرحمة في أجمل صورها؛ في صبر المعلم على طالبٍ يتعثر، وتفهّمه لمن يخطئ، وإيمانه بقدرة الطالب حين يشك في نفسه. فالمعلم لا يصنع طالبًا يحفظ الإجابة فقط، بل إنسانًا يستطيع أن يسأل ويبحث ويفكر ويصنع إجابته الخاصة.
ومن تجربتي كطالبة، وما زلت طالبةً في مرحلة الدكتوراه، أدركت أن الطريق الأكاديمي يحتاج إلى الصبر والاستمرارية، وأن لكل معلم وأستاذ أثرًا قد لا ندرك قيمته إلا بعد سنوات.
فقد ننسى تاريخ الاختبار أو تفاصيل المحاضرة، لكننا لا ننسى معلمًا منحنا الثقة، أو أستاذًا تعامل مع طموحنا بجدية، أو كلمة تشجيع أعادت إلينا الرغبة في الاستمرار.
وفي يوم المعلم، أقول لأبي، رحمه الله: شكرًا لما غرسته في داخلي من قيمٍ وإصرار.
ولأمي، معلمتي الأولى: شكرًا لأنكِ علّمتِني قبل الكتب، وربّيتِ في داخلي حب المعرفة والقدرة على الوقوف من جديد.
وأقول لمعلميّ ومعلماتي وأساتذتي ودكاترتي: شكرًا لكل ساعة بذلتموها، ولكل كلمة تشجيع، ولكل معرفة منحتموها، ولكل مرة آمنتم فيها بقدرات طلابكم.
لقد علّمتموني أن الشهادة قد تكون ثمرة، لكن العلم هو الجذر، وأن التفوق ليس لقبًا يُكتب بجانب الاسم، وإنما مسؤولية تجعل الإنسان أكثر قدرة على العطاء.
فكم من طالبٍ تغيّر مستقبله لأن معلمًا آمن به، وكم من طالبةٍ واصلت طريقها لأن معلمةً قالت لها: لا تستسلمي.
لهذا سيبقى المعلم حاضرًا في كل نجاح نحققه، حتى وإن لم يكن واقفًا بجانبنا لحظة الوصول.
وفي يوم المعلم، أقول لكل من علّمني:
شكرًا لأنكم لم تعلّموني كيف أنجح في الاختبار فقط، بل علّمتموني كيف أواصل الطريق حين تصبح الحياة نفسها اختبارًا.
وشكرًا لأبي، رحمه الله، وأمي، معلمتي الأولى، ولكل معلم وأستاذ ودكتور كان له أثر في رحلتي.
كل عامٍ ومعلمينا ومعلماتنا وأساتذتنا ودكاترتنا بخير.. شكرًا لكل من علّمنا، وآمن بنا، وأشعل فينا شغف العلم؛ فبكم يبدأ الأثر، وبالعلم يُصنع المستقبل.



(
(






