بقلم: المحامية شيرين كم نقش
لم يعد الإنسان وحده من يصنع القرار، بل بات يشاركه كيانٌ غير مرئي، يُفكّر بلغة الأرقام، ويُحلّل بلا شعور، ويُنتج أحكامًا قد تغيّر مصائر كاملة دون أن يترك أثرًا ماديًا يُمسك به.
لقد فرض الذكاء الاصطناعي نفسه لاعبًا خفيًا في تفاصيل الحياة اليومية، من قرارات الائتمان، إلى التوظيف، إلى التوصيات الرقمية التي تُشكّل وعي الأفراد دون أن يشعروا. ومع هذا الامتداد غير المرئي، برزت إشكالية قانونية مركبة: من المسؤول عن القرار الذي تصنعه آلة؟ وأين تقف حدود المساءلة حين تتداخل إرادة الإنسان مع منطق الخوارزمية؟
ولعل التجارب التشريعية الحديثة تعكس محاولة جادة للإجابة عن هذه الأسئلة. فقد أصدر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي إطارًا تصنيفيًا يقسم أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب مستوى الخطورة، فارضًا قيودًا صارمة على التطبيقات عالية المخاطر، مثل أنظمة التوظيف والتقييم الائتماني. هذا التوجه لا يُجرّم التقنية بحد ذاتها، بل يقيّد استخدامها حين تمسّ الحقوق الأساسية.
وفي ميدان حماية البيانات، تُعد اللائحة العامة لحماية البيانات نموذجًا رائدًا أعاد تعريف العلاقة بين الفرد والجهات التي تعالج بياناته. فقد منح الأفراد حقوقًا غير مسبوقة، كحق الوصول إلى البيانات، وحق “النسيان”، بل وحق الاعتراض على المعالجة الآلية. ومع ذلك، كشفت تطبيقاته العملية عن فجوة بين النص والواقع، حيث لا يزال كثير من المستخدمين يمنحون موافقتهم دون وعي فعلي بمآلاتها.
أما على الصعيد العربي، فقد خطى قانون حماية البيانات الشخصية الإماراتي خطوة مهمة نحو تنظيم هذا المجال، واضعًا التزامات واضحة على الجهات التي تجمع البيانات، ومؤسسًا لمفهوم المعالجة المشروعة القائمة على الشفافية والمساءلة. إلا أن التحدي لا يزال قائمًا في تفعيل هذه النصوص ضمن بيئة رقمية متسارعة.
وفي سياق المعاملات الإلكترونية، نجد أن قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية الإماراتي قد أرسى الاعتراف القانوني بالتوقيع الإلكتروني وحجية المستندات الرقمية. غير أن الواقع العملي يطرح إشكاليات دقيقة، خصوصًا في إثبات الاختراق أو التلاعب، حيث قد يكون الدليل الرقمي هشًا أمام تقنيات التزوير المتقدمة.
ولا يمكن إغفال الأمثلة التطبيقية التي كشفت عن مخاطر الذكاء الاصطناعي حين يُستخدم دون ضوابط. فقد أثارت أنظمة التوظيف المعتمدة على الخوارزميات جدلاً واسعًا بعد ثبوت تحيزها ضد فئات معينة، كما في التجربة المرتبطة بإحدى الشركات العالمية ، حيث تم التخلي عن نظام توظيف آلي بسبب انحيازه غير المقصود ضد النساء. وفي هذا المثال تتجلى خطورة “التمييز الخوارزمي” كأحد أبرز الأضرار غير المرئية.
وفي مجال المسؤولية، برزت إشكالية السيارات ذاتية القيادة، حيث تطرح حوادثها تساؤلًا معقدًا: هل تقع المسؤولية على الشركة المصنعة، أم المبرمج، أم المستخدم؟ وهي مسألة لم تُحسم بشكل قاطع حتى الآن، رغم محاولات تشريعية متعددة لابتكار مفهوم “المسؤولية المشتركة” أو “المسؤولية الممتدة”.
أما الأضرار، فقد تجاوزت صورتها التقليدية، فلم تعد مادية أو مباشرة، بل أصبحت رقمية، تراكمية، وأحيانًا صامتة. من انتهاك الخصوصية، إلى سرقة الهوية، إلى قرارات خوارزمية تُقصي الأفراد من فرص العمل أو التمويل دون تفسير واضح أو إمكانية للطعن الفعّال.
إن هذه الوقائع تكشف أن الإشكال لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا قانونيًا يوميًا، يفرض على المشرّع والقاضي معًا تطوير أدوات جديدة للفهم والتكييف، تتجاوز القوالب التقليدية نحو مقاربات أكثر مرونة وابتكارًا.
في ضوء ذلك، لم يعد كافيًا أن يضع القانون قواعد عامة، بل بات مطالبًا بتبني منظومة مبادئ حاكمة، مثل الشفافية، والمساءلة، وعدم التمييز، وحق الإنسان في فهم القرارات التي تُتخذ بحقه. فالقانون الذي لا يُفسّر، لا يُنصف.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر قائمًا: كيف نوازن بين تشجيع الابتكار، وحماية الحقوق؟ إذ إن الإفراط في التنظيم قد يُعيق التطور، بينما التساهل قد يُفضي إلى فوضى رقمية تُهدد الثقة العامة وتُضعف البنية القانونية ذاتها.
وفي ختام هذا المشهد المتسارع، حيث تتقدّم الخوارزميات بثقةٍ لا تعرف التردّد، ويقف القانون متأمّلًا محاولًا إعادة ترتيب أدواته، يتبيّن أن المسألة لم تعد صراعًا بين الإنسان والآلة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإنسان على حماية إنسانيته داخل ما يصنعه بيديه.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، يظل انعكاسًا لمن صمّمه, ومن هنا، فإن الرهان لم يعد على تطوير النصوص وحدها، بل على ترسيخ وعي قانوني جديد، يدرك أن الحقوق لا تُهدَّد فقط بما هو ظاهر، بل أيضًا بما يُدار في الخفاء، داخل شيفرات لا تُرى وقرارات لا تُفسَّر.
إننا أمام مرحلة تُعيد صياغة العلاقة بين الحرية والتنظيم، بين الخصوصية والانكشاف، بين الثقة والرقابة. مرحلة لا يكفي فيها أن نحمي الإنسان من الآخر، بل يجب أن نحميه أيضًا من نتائج أدواته.
ولعل الحقيقة الأعمق التي يفرضها هذا التحوّل، أن القانون لم يعد مجرد وسيلة لضبط الواقع، بل أصبح ضرورة لحماية المستقبل.
فإما أن يكون القانون سابقًا للضرر، مستشرفًا له، حارسًا لهوية الإنسان في عالمٍ رقمي،
وإما أن يبقى شاهدًا متأخرًا… يكتب أحكامه على واقعٍ سبق أن تغيّر.
وفي ذلك، لا يكون السؤال: كيف ننظّم الذكاء الاصطناعي؟
بل: كيف نحافظ على إنسانية القانون… في زمنٍ يتعلّم فيه كل شيء، إلا الشعور.



(
(






