|  آخر تحديث أغسطس 15, 2026 , 13:48 م

حين يتحول الدفاع عن الوطن إلى ترويج للمسيء


حين يتحول الدفاع عن الوطن إلى ترويج للمسيء



 

الوعي الرقمي مسؤولية وطنية.. وأقوى رد على الإساءة ألا تمنحها جمهورًا

 

 

 

بقلم: مريم القيواني

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للأفكار والآراء، لم تعد المعركة الحقيقية مع المحتوى المسيء تتمثل فقط في الرد عليه، وإنما في فهم الطريقة التي تعمل بها المنصات والخوارزميات، وكيف يمكن للتفاعل معه أن يمنحه انتشارًا أكبر، حتى عندما يكون هذا التفاعل بدافع الدفاع عن الوطن.

ومن هنا تأتي هذه الرسالة التوعوية إلى أصحاب المحتويات، وإلى كل مواطن إماراتي ومقيم على أرض الإمارات:

لا نشكك في ولاء أحد، ولا في غيرته على وطنه.

فالإمارات وطن عزيز، والدفاع عنها شعور أصيل لدى أبنائها وكل من يعيش على أرضها. لكن الولاء لا يعني أن ندخل في كل مواجهة إلكترونية، ولا أن نمنح كل حساب مسيء جزءًا من وقتنا واهتمامنا.

هل تعلم أنك قد ترفع المحتوى الذي تحاربه؟

عندما يظهر أمامك بث مباشر يتضمن إساءة إلى دولة الإمارات، ثم تدخل إليه للرد، أو تشارك في «قست» بهدف الدفاع، أو تكتب تعليقات غاضبة، أو تدخل في نقاش طويل مع صاحب الحساب، أو تعيد نشر المقطع للتحذير منه، فإنك قد تساهم — من حيث لا تقصد — في زيادة التفاعل مع ذلك المحتوى.

فالمنصة لا تتعامل مع نيتك الوطنية، وإنما مع السلوك الرقمي والتفاعل.

مشاهدة، تعليق، مشاركة، دخول إلى البث، وقت مشاهدة، تفاعل…

كلها إشارات قد تساعد الخوارزميات على اعتبار المحتوى نشطًا وجاذبًا للتفاعل، وبالتالي منحه فرصة أكبر للوصول إلى مستخدمين آخرين.

وهنا تكمن المفارقة:

قد تدخل لتدافع عن الإمارات، بينما تمنح الحساب المسيء انتشارًا أكبر دون أن تشعر.

لا تجعل غضبك أداة لرفع حساب المسيء

بعض المحتويات الاستفزازية قد تعتمد أصلًا على إثارة الغضب وجذب المعارضين إليها؛ لأن الجدل يخلق تفاعلًا، والتفاعل يخلق انتشارًا.

ولهذا فإن الوعي الرقمي يتطلب منا أن نسأل أنفسنا قبل أن نضغط على زر الدخول أو التعليق:

هل ردي سيوقف الإساءة فعلًا؟ أم سيمنحها جمهورًا جديدًا؟

وفي كثير من الحالات، يكون الخيار الأكثر وعيًا هو:

الإبلاغ عن المحتوى، حظر الحساب، ثم تجاوزه.

لا مشاركة.
لا إعادة نشر.
لا جدال.
لا «قست».
لا تحويل للمسيء إلى شخصية مشهورة بسبب كثرة الحديث عنه.

فليس كل استفزاز يستحق الرد، وليس كل إساءة تستحق أن نمنحها دقيقة إضافية من وقتنا.

اتركوا الأمر للجهات المختصة

من المهم كذلك أن نثق بأن التعامل مع المحتوى المخالف ليس مسؤولية الأفراد وحدهم.

هناك جهات مختصة تتابع وترصد، ولكل جهة اختصاصاتها وإجراءاتها القانونية التي تتخذها وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها.

كما أن طبيعة القوانين تختلف من دولة إلى أخرى، وما يعد مخالفًا أو محظورًا في دولة الإمارات قد تكون له أوضاع قانونية مختلفة في دول أخرى، ولذلك فإن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يكون وفق الأطر القانونية المختصة، وليس من خلال ردود فعل فردية أو مواجهات إلكترونية قد تزيد انتشار المحتوى.

وقد تكون بعض الحسابات المسيئة مرتبطة بأشخاص أو جهات خارج الدولة، وقد تستخدم وسائل تقنية مختلفة لإخفاء الموقع الحقيقي أو تغيير مسار الاتصال، لكن تحديد مصدر الحساب أو هويته أو اتخاذ الإجراء القانوني المناسب هو شأن الجهات المختصة، وليس مهمة المستخدم العادي.

إلى صناع المحتوى الإماراتيين

أنتم اليوم تملكون منابر تصل إلى آلاف وملايين الأشخاص.

وهذه المنابر ليست مجرد مساحة للحديث، وإنما مسؤولية وتأثير.

لذلك، عندما تشاهدون محتوى يسيء إلى الإمارات، لا تجعلوا حساباتكم منبرًا إضافيًا له.

بدلًا من أن تعيد نشر مقطع مسيء وتقول: «شاهدوا ماذا يقولون عن الإمارات»، اسأل نفسك:

كم شخصًا لم يكن يعرف بهذا المحتوى، وسيعرف به بسبب إعادة نشري له؟

وبدل أن تدخل في بث المسيء لمواجهته، استخدم أدوات الإبلاغ المتاحة، واترك الأمر للجهات المختصة.

ثم عد إلى جمهورك واصنع محتوى يرفع اسم الإمارات:

تحدث عن إنجازاتها.
وثّق جمالها.
عرّف العالم بثقافتها.
انقل قصص نجاح أبنائها.
أبرز مبادراتها الإنسانية.
وانشر الصورة التي تستحقها الإمارات.

هذا هو التأثير الحقيقي.

رسالة إلى كل مواطن ومقيم

هذه الرسالة ليست دعوة للصمت أمام الخطأ، وليست تقليلًا من أهمية الدفاع عن الوطن.

بل هي دعوة إلى أن يكون دفاعنا أكثر ذكاءً ووعيًا وتأثيرًا.

فليس كل رد بطولة، وليس كل مواجهة شجاعة.

أحيانًا تكون الشجاعة أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تبلغ، ومتى تترك الأمر للجهات المختصة.

وأحيانًا يكون أبلغ رد على من يبحث عن الشهرة بالإساءة:

أن تحرمه من الشيء الذي يبحث عنه… الجمهور.

اقتباس ذهبي

«لا تجعل غضبك على من يسيء إلى وطنك سببًا في منحه الشهرة؛ فأقوى دفاع عن الإمارات أن نرفع صورتها، لا أن نرفع حساب من يسيء إليها.»

الإمارات أكبر من إساءة

الإمارات ليست بحاجة إلى أن ندخل في كل جدال حتى نثبت محبتنا لها.

هي وطن له تاريخه وإنجازاته ومكانته، وأبناء الإمارات والمقيمون على أرضها قادرون على التعبير عن ولائهم لها بأفعال أكثر تأثيرًا من أي مشادة إلكترونية.

فلنكن أكثر وعيًا بالخوارزميات، وأكثر مسؤولية في استخدام المنصات، وأكثر حكمة في اختيار معاركنا الرقمية.

إذا صادفت محتوى مسيئًا: بلّغ، احظر، وتجاوز.

ولا تمنحه ثانية إضافية من وقتك.

فقد تكون أفضل خدمة تقدمها للمسيء هي أن تدخل عنده غاضبًا…

وقد يكون أفضل دفاع تقدمه لوطنك هو أن لا تمنحه تلك الفرصة.

الإمارات تستحق أن نتحدث عنها بما يليق بها.
وتستحق أن يكون حضورها في منصات التواصل أقوى من حضور من يحاول الإساءة إليها.

دافع عن وطنك بوعي…
فالوطنية ليست فقط في ما نقوله، بل أيضًا في ما نختار ألا نمنحه انتشارًا.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com