بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
بعض الغياب لا يُعوَّض، لكنه يعلّمنا كيف نقف وحدنا
هناك أيام لا ينسى الإنسان تفاصيلها؛ أيام ظن فيها أن الحياة توقفت، وأن ما حدث أكبر من قدرته على الاحتمال. ربما فقد شخصًا عزيزًا، أو خسر شيئًا كان يعني له الكثير، أو وجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات لم يخترها، ولم يكن مستعدًا لها.
ومع ذلك… مضت الأيام.
مرّ الألم، وإن لم يختفِ أثره، وتجاوز الإنسان ما كان يظنه مستحيلًا. ثم اكتشف، بعد سنوات، أنه لم يخرج من تلك التجارب كما دخلها؛ بل خرج أكثر نضجًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الاعتماد على نفسه.
لقد تجاوزتَ 100% من أيامك الصعبة؛ تلك الأيام التي كنت تظن في لحظتها أنك لن تتجاوزها. فهل أدركت الآن أنك أقوى مما كنت تظن؟
ربما لم تكن الظروف أضعف مما توقعت، وربما كانت قوتك أكبر مما كنت تعرف عن نفسك.
ومن أقسى التجارب التي قد تعيد تشكيل الإنسان فقدان الوالدين. فغيابهما ليس مجرد غياب شخصين، بل غياب سند اعتاد الإنسان وجوده؛ صوت يسأل، ونصيحة تُوجّه، ويد تمتد عندما يتعثر.
ومع ذلك، فإن الموت لا يغلق باب البر.
قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم.
فالدعاء للوالدين بعد وفاتهما من صور البر والوفاء، ويبقى أثره في القلب والعمل.
لكن ماذا يفعل الإنسان عندما يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة الحياة دون والديه؟
هنا تبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة لا يتعلم فيها الإنسان فقط كيف يعيش، بل كيف يبني نفسه.
قد يضطر إلى اتخاذ قراراته بنفسه، وتحمل نتائجها، والبحث عن حلول لمشكلاته، وتعلّم ما يحتاج إليه دون انتظار من يلقنه كل شيء. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الذات من ظرف فرضته الحياة إلى مهارة تتشكل معها الشخصية.
وهنا تبرز قيمة التعلم الذاتي؛ فالإنسان لا يتعلم فقط داخل الفصول الدراسية أو الجامعات، بل قد يتعلم من كتاب، أو تجربة، أو دورة، أو خطأ، أو حتى من موقف مؤلم لم يكن يتمنى أن يمر به.
والقوة ليست أن تقول: «أنا لا أحتاج أحدًا».
القوة أن تقول: «أحتاج الآخرين، لكنني أستطيع أن أستمر».
فالاعتماد على النفس ليس قسوة؛ بل هو أن تعرف كيف تقف عندما لا تجد من يقف إلى جوارك، وكيف تبدأ من جديد عندما تنتهي أشياء كنت تظن أنها لن تنتهي.
لكن في خضم حديثنا عن القوة والاعتماد على النفس، تبقى حقيقة أخرى علينا أن نتقبلها: ليس كل ما يُفقد يُعوَّض، وبعض الغياب لا بديل له.
هناك أشخاص لا يشبههم أحد، وذكريات لا يمكن استعادتها بالصورة نفسها، ومراحل من العمر إذا انتهت، انتهت معها نسخة كاملة منّا.
قد يأتي شخص جديد إلى حياتك، لكنه لن يكون الشخص الذي غاب.
وقد تأتي فرصة أخرى، لكنها لن تكون الفرصة التي ضاعت.
وقد تعيش في مكان أجمل، لكن بعض الأماكن القديمة تبقى عزيزة؛ لأنها لم تكن جدرانًا فقط، بل كانت عمرًا كاملًا من التفاصيل.
ولهذا، هناك غياب لا يحتاج إلى بديل، بل يحتاج إلى قبول.
أن نقبل أن لبعض الأشخاص بصمتهم ورسالتهم في حياتنا، وأن بعض العلاقات كان لها عمر محدد، وأن بعض الأحلام لم تُكتب لنا، وأن بعض الأبواب التي بكينا خلفها كانت مغلقة لحكمة لم نفهمها في وقتها.
ولا يعني القبول أن الفقد لم يؤلمنا، بل يعني أننا توقفنا عن مطالبة الحياة بإعادة ما أخذته.
فالنضج الحقيقي ليس أن تعيش بلا خسارات، وإنما أن تتعلم كيف تكمل طريقك رغم الأشياء التي لن تعود.
ومع الوقت، يدرك الإنسان أن القوة لا تُصنع في لحظة واحدة، بل تتشكل من التفاصيل الصغيرة: قرار اتخذه وحده، ومشكلة حلها بنفسه، ومهارة تعلمها، ومسؤولية تحملها، وخطأ اعترف به ثم خرج منه أكثر وعيًا.
وربما أجمل ما يمكن أن يكتشفه الإنسان في هذه الرحلة أنه لم يكن ضعيفًا كما ظن.
لقد تجاوز أيامًا كان يعتقد أنها ستنهيه.
بكى، ثم ابتسم. سقط، ثم وقف. فقد، ثم واصل. خاف، ثم تقدم.
ولهذا، حين تنظر إلى ماضيك، لا تنظر فقط إلى الأشياء التي خسرتها؛ انظر أيضًا إلى الإنسان الذي أصبحت عليه بسبب كل ما مررت به.
قد يبقى فقد الوالدين جرحًا لا يلتئم تمامًا، وقد يبقى في القلب مكان لا يستطيع أحد أن يملأه. ومن حق الإنسان أن يشتاق، وأن يحزن، وأن يتمنى لو أن والديه كانا موجودين في بعض لحظات حياته.
وقد تبقى ذكرى تؤلمك، دون أن تعني أنك ما زلت عالقًا فيها.
وقد تعرف أن شيئًا ما لن يتكرر، ومع ذلك تبتسم للحياة من جديد.
لأن بعض الأشياء لا تُعوَّض فعلًا، لكنها تُحفظ في مكانها الصحيح داخل القلب.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الإنسان بعدد الأشخاص الذين يقفون خلفه، وإنما بقدرته على الوقوف عندما لا يجد أحدًا خلفه.
فربما كانت كل تلك الأيام الصعبة تقول لك شيئًا واحدًا لم تكن تسمعه وقتها:
أنت أقوى مما كنت تظن.
لقد تجاوزتَ 100% من الأيام الصعبة التي كنت متأكدًا في لحظتها أنك لن تتجاوزها.



(
(






