يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره وهو يصنف ما يمر به … هذا خير لأنه أسعده، وذاك شر لأنه آلمه.
يفرح إذا جاءت الحياة على هواه، ويضيق إذا سارت في اتجاه لم يختره، وكأن الأيام مطالبة بأن تسير وفق ما يشتهي، لا وفق ما هو أصلح له
لكن مع نضج التجربة يكتشف أن الحياة لم تكن يومًا بهذه البساطة فكم من باب أُغلق في وجهه، ثم أدرك بعد سنوات أن وراء ذلك الإغلاق نجاة. وكم من أمنية سعى إليها بكل ما أوتي من قوة، ثم حمد الله أنها لم تتحقق. وكم من خسارة ظنها نهاية الطريق، فإذا بها بداية طريق أكثر اتزانًا وطمأنينة
هناك يبدأ اليقين… لا باعتباره فكرة تُقال، بل رؤية مختلفة للحياة. رؤية تجعل الإنسان أقل استعجالًا في إطلاق الأحكام، وأكثر ثقة بأن ما خفي عنه من الحكمة أعظم مما ظهر له من الأسباب
وحين يكتمل هذا اليقين، يتوقف عن تقسيم الحياة إلى نعمة ونقمة، لأنه يرى في كليهما يدًا واحدة؛ يدًا لا تمنح عبثًا، ولا تمنع ظلمًا، وإنما تدبر الأمر بعلمٍ يحيط بما لا تحيط به عقول البشر
ومن يقف طويلًا في أروقة المحاكم، يدرك أن كثيرًا من الخصومات لم تبدأ بسبب نقص في القانون، بل بسبب نقص في الطمأنينة. فكم من دعوى كان يمكن ألا تولد لو انتصر الإنسان على غضبه قبل أن ينتصر على خصمه، وكم من نزاع على مال أو ميراث أو شراكة كان يمكن أن ينتهي عند باب الحوار، لو أدرك كل طرف أن ما قُدّر له لن يأخذه غيره، وأن ما ليس له لن يملكه ولو اجتمع الناس جميعًا على منحه إياه
لقد شرعت القوانين لحماية الحقوق، وهي ضرورة لا تستقيم الحياة من دونها، لكنها تظل تعالج ما وقع بالفعل. أما الإنسان المطمئن، الواثق بعدل الله، فيمنع كثيرًا من أسباب النزاع قبل أن تحتاج إلى نص قانوني أو حكم قضائي
ولهذا، كلما ازداد يقين الإنسان، اتسعت مساحة التسامح في نفسه، وخفت رغبته في الانتصار لكل خلاف، وأصبح يبحث عن العدل أكثر من بحثه عن الغلبة، وعن راحة قلبه أكثر من كسب خصومة قد يربحها أمام القاضي ويخسر بسببها إنسانيته
وبعد سنوات من العمل في ميدان العدالة، قد يصل المرء إلى قناعة هادئة مفادها أن أكثر القضايا إيلامًا لم تكن نتيجة جهل بالقانون، بل نتيجة اضطراب في النفوس. فالقانون يحفظ الحقوق، لكنه لا يزرع القناعة، ولا يمنح السكينة، ولا يصنع الضمير. وهذه كلها تنبت في مكان آخر… في قلب امتلأ يقينًا، فعرف أن للحياة حكمة تتجاوز ما تراه العين
ولعل أجمل ما يبلغه الإنسان في رحلته، ألا يسأل عند كل حدث: أهو نعمة أم نقمة؟ بل أن يمضي مطمئنًا، مؤمنًا بأن الأيام، على اختلاف وجوهها، لم تكن يومًا إلا طريقًا يقوده إلى حيث ينبغي أن يكون
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(




