|  آخر تحديث أغسطس 26, 2026 , 18:55 م

مقبرة الأحكام.. حين يتحوّل التنفيذ من إنفاذٍ للعدالة إلى اختبارٍ للإنسان


مقبرة الأحكام.. حين يتحوّل التنفيذ من إنفاذٍ للعدالة إلى اختبارٍ للإنسان



 

 

بقلم | المستشارة مريم القيواني

 

من منظور قانوني، لا تنتهي العدالة بمجرد صدور الحكم القضائي، بل تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية وخطورة، وهي مرحلة التنفيذ.

 

فالحكم القضائي مهما كان عادلاً، يبقى بلا أثر حقيقي إذا تعذّر تنفيذه أو طال أمده أو تحوّل ملف التنفيذ إلى دائرة مغلقة تستنزف المحكوم عليه، وتؤخر حق المحكوم له، وتراكم الإجراءات دون الوصول إلى الغاية الأساسية: إيصال الحق إلى صاحبه وفق القانون.

 

ولهذا يمكن أن نطلق على بعض مشاهد التنفيذ، على سبيل المجاز، وصف «مقبرة الأحكام»؛ ليس لأن التنفيذ يدفن العدالة، وإنما لأن الحكم قد يفقد أثره العملي عندما يبقى حبيس الملفات والإجراءات، بينما تتغير حياة أطرافه وتتراكم عليهم الالتزامات والآثار الاجتماعية والاقتصادية.

 

التنفيذ ليس عقوبة

 

وهنا تبرز نقطة قانونية جوهرية:

 

التنفيذ وسيلة لإعمال الحكم، وليس عقوبة إضافية على المحكوم عليه.

 

فإذا كان الشخص عاجزاً فعلياً عن الوفاء، فإن التعامل مع عجزه المالي باعتباره مجرد امتناع متعمد قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فلا الدائن حصل على ماله، ولا المدين استطاع معالجة وضعه، بل قد تتفاقم المشكلة بسبب الرسوم والمصاريف والإجراءات والقيود التي قد تترتب على ملف التنفيذ وفقاً للقانون.

 

وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الحديث عن الإعسار أو العجز المالي إلى وسيلة لتعطيل حقوق أصحاب الأحكام أو التحايل على التنفيذ.

 

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الممتنع عن السداد القادر عليه وبين العاجز عن السداد فعلاً.

 

بين هيبة الحكم ورحمة القانون

 

القانون لا يقوم على الرحمة وحدها، كما لا يقوم على العقوبة وحدها.

 

إنما يقوم على التوازن.

 

فهيبة الأحكام القضائية ضرورة لاستقرار المجتمع، لأن عدم تنفيذ الأحكام يضرب الثقة في القضاء وفي سيادة القانون.

 

وفي الوقت ذاته، فإن حماية كرامة الإنسان ومراعاة ظروفه الواقعية والاقتصادية والاجتماعية ليست خروجاً على القانون، بل هي جزء من فلسفة العدالة الحديثة.

 

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

 

كيف نعاقب من لم يستطع الدفع؟

 

بل:

كيف ننفذ الحكم ونحفظ حق الدائن، دون أن نحول عجز المدين إلى مأساة إنسانية لا تنتهي؟

 

المشكلة ليست دائماً في الحكم

 

أحياناً يكون الحكم واضحاً، والحق ثابتاً، والقضاء قد قال كلمته.

 

لكن المشكلة تبدأ بعد ذلك.

 

قد لا يملك المحكوم عليه مالاً قابلاً للتنفيذ، أو يكون دخله محدوداً، أو تكون عليه التزامات أسرية متعددة، أو يكون قد فقد مصدر دخله.

 

وفي مثل هذه الحالات، يصبح ملف التنفيذ انعكاساً لمشكلة اقتصادية واجتماعية أكبر من مجرد رقم مالي مكتوب في حكم.

 

وهنا يجب أن يكون التنفيذ قائماً على التحقق من الواقع، لا على افتراضات مجردة.

 

المحكوم له أيضاً له حق

 

ومن الخطأ أن نتحدث عن المدين وحده وننسى الطرف الآخر.

 

فوراء كل حكم تنفيذي شخص قد يكون انتظر سنوات للحصول على حقه.

 

قد يكون دَيناً، أو نفقة، أو تعويضاً، أو التزاماً مالياً، أو حقاً ترتبت عليه مسؤوليات أخرى.

 

لذلك فإن العدالة التنفيذية الحقيقية لا تنحاز إلى المدين على حساب الدائن، ولا إلى الدائن على حساب المدين.

 

بل تبحث عن حل قانوني قابل للتنفيذ يحفظ حق الطرفين قدر الإمكان.

 

لماذا نحتاج إلى نظرة مختلفة للتنفيذ؟

 

لأن بعض ملفات التنفيذ لا تحتاج فقط إلى إجراء جديد، وإنما تحتاج إلى تشخيص المشكلة.

 

هل المدين ممتنع؟

 

أم معسر؟

 

هل لديه أموال يخفيها؟

 

أم أنه لا يملك شيئاً بالفعل؟

 

هل يستطيع السداد دفعة واحدة؟

 

أم يستطيع السداد بالتقسيط؟

 

هل استمرار الإجراءات الحالية سيؤدي فعلاً إلى تحصيل الحق، أم سيزيد من تعقيد الوضع؟

 

هذه الأسئلة ليست ترفاً قانونياً، بل قد تكون هي الفارق بين تنفيذ فعّال وتنفيذ يبقى سنوات داخل دائرة مغلقة.

 

العدالة لا تُقاس بعدد الملفات المغلقة

 

قد يُغلق ملف إدارياً، لكن المشكلة الإنسانية تبقى.

 

وقد يبقى ملف مفتوحاً لسنوات، بينما تتغير حياة أطرافه بالكامل.

 

لذلك فإن نجاح التنفيذ لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الإجراءات التي اتُخذت، وإنما بمدى وصول الحق إلى مستحقه، مع احترام الضمانات القانونية والكرامة الإنسانية لجميع الأطراف.

 

فالحكم الذي لا يُنفذ يفقد جزءاً من أثره، والتنفيذ الذي لا يراعي الواقع قد يفقد جزءاً من عدالته.

 

وفي النهاية، فإن «مقبرة الأحكام» ليست مكاناً مادياً، وإنما هي حالة يصبح فيها الحكم موجوداً على الورق، بينما تعجز المنظومة عن تحويله إلى أثر حقيقي في حياة صاحبه.

 

ولهذا فإن تطوير منظومة التنفيذ لا يعني التساهل مع الأحكام، بل يعني العكس تماماً:

 

أن نجعل الحكم أكثر حضوراً، والحق أكثر وصولاً، والتنفيذ أكثر فاعلية، والعدالة أكثر إنسانية.

 

فالعدالة لا تكتمل عندما يصدر الحكم فقط؛

بل تكتمل عندما يصل الحق إلى صاحبه، دون أن تُدفن كرامة الإنسان في الطريق.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com