بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
تمثل الإجازة الصيفية في عام الأسرة محطةً تربويةً بالغة الأهمية، تتجاوز حدود الراحة والترفيه، لتتحول إلى مساحة حقيقية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. فهي فترة يمكن أن تُستثمر في تعزيز القيم وتنمية المهارات وتقوية الروابط الأسرية، بما ينعكس إيجابًا على الفرد والمجتمع.
وفي ظل اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بـ عام الأسرة، تبرز أهمية توجيه هذه الإجازة نحو أنشطة هادفة تُسهم في ترسيخ دور الأسرة باعتبارها البيئة الأولى للتربية والتنشئة ومصدر القيم والسلوكيات الأساسية لدى الأبناء.
فيمكن للأسرة أن تجعل من الإجازة الصيفية فرصةً للتعلم المستمر من خلال القراءة وحفظ القرآن الكريم وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية، إضافة إلى الانخراط في الأعمال التطوعية التي تنمي روح المسؤولية والانتماء. كما تمثل هذه الفترة فرصةً للكبار أيضًا لتطوير ذواتهم مهنيًا ومعرفيًا، فالتعلم لا يتوقف عند عمر معين، بل هو مسار مستمر للحياة.
وتؤكد النظريات التربوية الحديثة أهمية البيئة الأسرية في عملية التعلم، باعتبارها الأساس الأول في تشكيل سلوك الطفل وقيمه. ومن أبرز هذه النظريات نظرية التعلم الاجتماعي للعالم ألبرت باندورا، التي ترى أن الأطفال يكتسبون السلوكيات والقيم من خلال الملاحظة والتقليد لما يشاهدونه في محيطهم اليومي.
وبمعنى مبسط، فإن الطفل لا يتعلم فقط من التوجيه المباشر، بل يتأثر بشكل أكبر بما يراه من سلوكيات داخل الأسرة. فعندما يرى والديه يقرآن أو يتعلمان أو يمارسان أعمالًا نافعة، فإنه يكتسب هذه السلوكيات تلقائيًا ويبدأ بتقليدها تدريجيًا دون شعور مباشر.
كما تضيف النظريات التربوية الحديثة بُعدًا مهمًا يتمثل في أن التعلم داخل الأسرة يكون أكثر فاعلية عندما يتم بالمشاركة والتفاعل، مثل القراءة الجماعية والحوار الأسري وممارسة الأنشطة التعليمية مع الأبناء. فهذه الممارسات لا تعزز التعلم فقط، بل تقوي الروابط الأسرية وترفع دافعية الأبناء نحو الاكتساب والمعرفة، وتحوّل البيت إلى بيئة تعليمية حية ومؤثرة.
ومن هنا تتأكد مسؤولية الوالدين في تنظيم أوقات الأبناء خلال الإجازة وتحقيق التوازن بين الترفيه والتعلم وغرس القيم التربوية وتعزيز التواصل الأسري، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [سورة التحريم: الآية 6].
كما قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
وفي الختام، فإن الإجازة الصيفية ليست وقتًا فارغًا يُستهلك، بل فرصة حقيقية لصناعة الإنسان وبناء الأجيال. وكل لحظة تُستثمر في تنمية الأبناء وتعزيز قيمهم ومهاراتهم تُعد استثمارًا مباشرًا في مستقبل الأسرة والوطن. فالمستقبل لا يُنتظر، بل تمثل الإجازة نقطة انطلاق نحو جيل أكثر وعيًا وعلمًا وقيمة.



(
(






