|  آخر تحديث يونيو 29, 2026 , 23:31 م

تكلّم… حتى نراك


تكلّم… حتى نراك



 

 

 

ليس كل ما في الإنسان يُرى…

فالعين ترى الملامح لكنها لا ترى المبادئ وترى الهيئة لكنها لا ترى الضمير وقد ينجح المرء في أن يختار ثوبه ويهذب مظهره ويرسم لنفسه صورةً تليق بما يريد أن يراه الناس فيه إلا أن هناك نافذةً واحدة لا تُجيد الأقنعة إغلاقها…الكلمة.

 

ولهذا قال سقراط: «تكلّم حتى أراك.» وكأنه أراد أن يحرر الإنسان من سلطة المظهر، ويعيد تعريفه بما يفيض من عقله لا بما يحيط بجسده فالكلمات ليست أصواتًا تعبر الهواء وإنما نوافذ يطل منها الفكر، ورسائل يحملها الضمير، وقيم تختار أن تعلن عن نفسها.

 

ولذلك، حين يتحدث الإنسان لا يُسمع صوته وحده بل يُسمع مقدار اتزانه وحدود تواضعه وطريقته في رؤية الآخرين. 

فكم من كلمةٍ كشفت علمًا لم تُظهره الشهادات، وكم من كلمةٍ هدمت صورةً بنتها سنوات من المظاهرومن أبلغ ما قيل في هذا المعنى: عيوب الجسم قد يسترها متر قماش، وعيوب الفكر يكشفها أول نقاش.

 

غير أن النقاش لا يفضح الفكر وحده بل يكشف ما هو أعمق من الفكر… يكشف الأخلاق.

قد يختلف معك إنسان لكنه يحفظ لك كرامتك ويجادلك بأدب وينصفك قبل أن يرد عليك فتخرج من الحوار أكثر احترامًا له وإن بقي كل منكما على رأيه وقد يوافقك آخر في كل شيء ثم لا يمنحك من الاحترام ما منحه لك المختلف.

 

وهنا ندرك أن الحضارة لم تُبنَ على اتفاق البشر بل على قدرتهم على الاختلاف دون أن يفقدوا إنسانيتهم.

 

وللمرة الأولى في التاريخ لم تعد البلاغة دليلًا على حضور الإنسان فقد أصبح بإمكان الآلة أن تكتب نصًا مؤثرًا وأن تصوغ خطابًا بليغًا وأن تحاكي أساليب كبار الكتّاب غير أنها، مهما بلغت، تبقى عاجزة عن شيء واحد… أن تتحمل مسؤولية الكلمة.

 

ولهذا أصبحت قيمة الإنسان اليوم لا تُقاس بما يكتبه فحسب، بل بما يقف خلف ما يكتب … بالصدق الذي لا تُبرمجه الخوارزميات… وبالرحمة التي لا تُولد من المعالجات الإلكترونية… وبالعدل الذي لا يُستخرج من قواعد البيانات.

 

ومن هنا تبدأ رحلة القانون فهو في جوهره ليس حارسًا للكلمات بل حارسًا للإنسان.

إنه لا يخشى الرأي وإنما يخشى أن تتحول الكلمة إلى ظلم أو إلى تشهير أو إلى تحريض أو إلى وسيلةٍ تُهدر بها الكرامة الإنسانية ولذلك لم تُصن حرية التعبير لأنها حق في الكلام فحسب، بل لأنها مسؤولية في اختيار الكلمة التي لا تهدم حقًا ولا تنال من شرف ولا تُشعل فتنة.

 

ولعلنا نغفل عن حقيقةٍ بسيطة لكنها تستحق التأمل فقبل أن يكتب الإنسان أول قانون كان قد نطق أول كلمة. 

ومنذ ذلك اليوم والكلمة تبني الحياة كما قد تهدمها… بها تُبرم العقود وتُعلن المصالحات وتُؤخذ العهود وتُقام الشهادات وبها أيضًا تبدأ الخصومات وتُزرع الكراهية وتُنتهك الحقوق.

 

لهذا، لم تكن مسؤولية الكلمة يومًا مسؤوليةً أدبيةً فحسب، بل كانت مسؤوليةً أخلاقيةً وقانونيةً وحضاريةً في آنٍ واحد.

إن الإنسان لا يُعرف من سرعة جوابه بل من جودة حضوره في الحوار ولا من ارتفاع صوته بل من اتساع صدره ولا من قدرته على إسكات الآخرين بل من قدرته على الإصغاء إليهم.

 

إذآ الكلمة ليست اختبارًا للبلاغة إنها اختبارٌ للإنسان.

ولهذا… إذا أردت أن ترى حقيقة أحد، فلا تُطل النظر إلى ما يرتديه، ولا تُسارع إلى الإعجاب بما يملكه، ولا تُخدع بما يقال عنه…

دعه يتكلم فقد ترى بعينيك وجهه لكن كلماته وحدها ستريك الإنسان الذي يسكنه.

 

المحامية شيرين كم نقش 

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com