بين صدمات الطفولة العالقة على جدار الروح و بين حاضر مدجج بالذكريات يقف البعض عاجزاً عن تحرير عقله من هيمنة الماضي.
ولأننا نتاج أفعال و ردود أفعال لأجيال سابقة تخزنت في عقلنا الباطن ،فأصبحت استجاباتنا لكل فعل و كل موقف عبارة عن فرصة لتفريغ تقيؤاتنا النفسية ، فينحدر شخص بالغ منهك بفعل تجارب و مشاعر مؤلمة تخزنت في عقله الباطن للدرك الأسفل في محاولة يائسة ليخلص الطفل الذي داخله من ثقل ضعفه و شعوره بأنه مرفوض ،فيصب جام غضبه على طفل صغير و كأنه كيس رمل يفرغ من خلاله مشاعر سلبية عالقة، لمجرد انه أنعش صدمة طفولة لديه دون قصد ،فهرع يكرر نفس السيناريو الذي عاشه في طفولته و يعيد تمثيل التجربة ببراعة ،كان طفلا ضعيفاً و مرفوضاً، فأصبح رجلا قويا يستخدم قوته أمام طفل صغير ، فيروعه و يلقي عليه حفنة من حقده على ماضيه ، بدلاً من أن يكسر الدائرة و يحرر نفسه من قيدها ، و الأكثر قسوة أنه يورثها لأبنائه مع باقة مشاعر سلبية و قيود وهمية تبقيهم عالقين في نفس الدائرة ،إلا ما رحم ربي .
ولأن الصدمة تُفَسَر لكنها لا تُبَرر ،وجب على كل من ارتقى بوعيه ان يتحمل مسؤولية تصرفاته ،بعيداً عن التبرير الذي يعني تكرار نفس السلوك، و بعيداً عن الاستجابة للصدمة التي تعني تصرف غير متناسب مع الموقف، و بعيداً عن إسقاط مشاعر دفينة الذي يعني إيذاء لاواعٍ حتى على الأطفال .
إن كان البعض يعاني من تضخم في الأنانية و انعدام في الوعي و اللامبالاة بشعور الآخرين ، فأقل ما يمكنهم فعله هو أن ينظروا بعين الرأفة الى من سيحمل بعدهم صدماتهم و آلامهم و غضبهم المكبوت ،فأجمل ما يمكن أن يورثه الآباء للأبناء هو إيقاف الآلام عندهم و عدم تمريرها لهم ،و كسر الدائرة و إخراجهم منها و تحريرهم من توارث الصدمات .
بقلم: ميساء عواد



(
(




