بقلم: شيخه ضاعن الراشدي
لم تكن المرأة الإماراتية يومًا شاهدة على نهضة وطنها، بل كانت شريكة في صناعتها؛ حملت مسؤولية البيت، وحفظت الهوية، وخاضت ميادين العلم والعمل، وأسهمت في بناء الإمارات وصياغة مستقبلها.
هناك أوطان تُبنى بالحجر، وأوطان تُبنى بالإنسان.
والإمارات اختارت منذ بدايتها أن تبني الإنسان قبل كل شيء؛ لذلك لم تكن المرأة فيها يومًا على هامش الحكاية، بل كانت في قلبها.
وحين نتحدث عن المرأة الإماراتية، فإننا لا نتحدث عن نموذج واحد، ولا عن صورة واحدة للنجاح.
نتحدث عن أمهات حملن البيوت في زمنٍ كانت الحياة فيه أكثر قسوة، وعن جدات حفظن للأجيال ملامح الهوية، وعن بنات تعلمن أن العلم هو الطريق، وعن شابات يكتبن اليوم مستقبلًا يتجاوز حدود الممكن.
إنها رحلة بدأت من البساطة، لكنها لم تعرف البساطة في الطموح.
من بيتٍ صغير خرجت أحلام كبيرة.
ومن يدٍ كانت تصنع تفاصيل الحياة اليومية، خرجت أيادٍ تقود المؤسسات والمشاريع والمبادرات.
ومن صوت الأم وهي تعلم أبناءها أولى الكلمات، خرجت أصوات نسائية تحمل المعرفة والخبرة إلى العالم.
وهكذا تغيّرت الصورة، لكن الجوهر بقي واحدًا:
امرأة إماراتية تؤمن بأن العطاء مسؤولية، وأن الوطن يستحق الأفضل.
ولعل أجمل ما يميز هذه الرحلة أن المرأة لم تضطر إلى الاختيار بين هويتها وطموحها.
لم يكن عليها أن تتخلى عن كونها أمًا لتكون قائدة، ولا عن أصالتها لتكون عصرية، ولا عن جذورها لتصل إلى العالمية.
بل أثبتت أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من حلم، وأكثر من دور، وأن النجاح الحقيقي ليس في التخلي عن جزء من الذات، وإنما في تحقيق التوازن الذي يجعل كل جزء منها أكثر قوة.
وفي كل بيت إماراتي تقريبًا، توجد امرأة تحمل قصة لا يعرفها الإعلام.
امرأة استيقظت قبل الجميع، وأغلقت باب التعب خلفها، وذهبت إلى عملها، ثم عادت لتكمل مسؤولياتها الأسرية.
امرأة ربما لم تحصل على جائزة، ولم تُكرّم على منصة، ولم تُكتب عنها الصحف، لكنها صنعت إنجازًا أعظم: صنعت إنسانًا.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأننا حين نحتفي بالمرأة الإماراتية، يجب ألا نحتفي فقط بالمرأة التي وصلت إلى منصب كبير، بل أيضًا بالمرأة التي صنعت أسرة متماسكة، وربّت أبناءً صالحين، ووقفت إلى جانب والديها، وخدمت مجتمعها، وتركت أثرًا طيبًا في حياة من حولها.
فالنجاح له وجوه كثيرة.
وقد تكون أعظم الإنجازات تلك التي لا يصفق لها أحد.
من التمكين إلى صناعة المستقبل
لقد تجاوزت المرأة الإماراتية اليوم مرحلة إثبات القدرة.
لم تعد بحاجة إلى أن تقول للعالم: «أنا أستطيع».
فإنجازاتها قالت ذلك عنها.
فهي نمنح الأجيال الجديدة من الفتيات الثقة التي تمكنهن من التفكير خارج حدود المألوف؟
كيف نجعل المرأة شريكة في صناعة القرارات التي ترسم ملامح الغد؟
هذا اسؤال التي يجب أن يحملها يوم المرأة الإماراتية.
فالمناسبات الوطنية لا ينبغي أن تكون مجرد لحظة للاحتفال، بل فرصة للتأمل، والمراجعة، ووضع أهداف جديدة.
وإذا كانت المرأة الإماراتية قد أثبتت حضورها في الماضي والحاضر، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نهيئ لها الطريق نحو المستقبل.
وفي القلب… تبقى الأسرة
وفي عام الأسرة، لا يمكن أن نتحدث عن المرأة دون أن نتحدث عن الأسرة.
فالأسرة هي المدرسة الأولى التي تتعلم فيها الأجيال معنى الحب والانتماء والمسؤولية.
والمرأة، بما تحمله من أدوار، تستطيع أن تكون جسرًا بين الأجيال؛ تحفظ الماضي، وتفهم الحاضر، وتستشرف المستقبل.
لكن المرأة ليست مطالبة بأن تحمل العالم وحدها.
إن دعم الأسرة للمرأة، ودعم المجتمع لها، وتقدير جهودها، وتوزيع المسؤوليات بروح الشراكة، كلها عوامل تجعلها أكثر قدرة على العطاء.
فالمرأة القوية لا تحتاج إلى من يحمل عنها أحلامها؛ تحتاج إلى من يحترم أحلامها.
رسالة إلى ابنة الإمارات
إلى كل فتاة إماراتية تقرأ هذه الكلمات:
لا تخافي من الحلم الكبير.
قد يقول لك البعض إن الطريق طويل، فامشيه.
وقد يقول لك البعض إن المهمة صعبة، فتعلمي.
وقد تشعرين في لحظة أن الوصول مستحيل، فتذكري أن كل إنجاز عظيم بدأ ذات يوم بفكرة صغيرة آمن بها صاحبها.
لا تنتظري أن تكون الظروف مثالية.
ابدئي بما لديك.
تعلمي.
جربي.
قومي من جديد.
فالنجاح ليس طريقًا مستقيمًا، وإنما رحلة مليئة بالتجارب.
واجعلي من اسم الإمارات دافعًا إضافيًا لكِ.
فأنتِ لا تحملين حلمك وحدك؛ تحملين قصة وطن منح أبناءه وبناته الثقة ليحلموا بما هو أكبر.
كلمتي أخيرة:
في يوم المرأة الإماراتية، أقف أمام هذه المسيرة بكل فخر، وأتأمل امرأة بدأت من جذور الأصالة، وامتدت أغصانها إلى آفاق المستقبل.
امرأة لم تفقد نفسها وهي تتقدم.
لم تنسَ بيتها وهي تبني وطنها.
لم تنسَ ماضيها وهي تستشرف الغد.
ولم تجعل نجاحها نهاية الطريق، بل جعلته بداية لنجاحات أخرى.
المرأة الإماراتية ليست فقط قصة تمكين…
إنها قصة وطن آمن بالإنسان، فكان الإنسان سر نهضته.
ولذلك ستبقى المرأة الإماراتية حاضرة في كل فصل من فصول المستقبل.
تكتب.
وتبني.
وتقود.
وتربي.
وتلهم.
وتترك أثرًا لا يزول.
وفي كل مرة تكتب فيها الإمارات صفحة جديدة من المجد، ستجد المرأة الإماراتية اسمها حاضرًا بين السطور.
شيخه ضاعن الراشدي
كاتبة إماراتية



(
(






