|  آخر تحديث أغسطس 29, 2026 , 19:04 م

الماء الذي علّمنا معنى الرحيل


الماء الذي علّمنا معنى الرحيل



 

 

منذ أن عرفتُ الماء، وأنا أظنه أضعف الأشياء… لا شكل له يحتفظ به، ولا لون يخاصم به الألوان، ولا صوت له إلا إذا اصطدم بشيء. تضعه في إناء فيأخذ شكله، وتتركه على الأرض فيبحث عن أخفض موضع فيها، وتحاول أن تقبض عليه بيدك، فيفعل ما لا تفعله الأشياء الصلبة: ينجو منك.

تضم كفك عليه أكثر، فينساب أسرع ولعلني لهذا كلما قرأت قول الله تعالى:

﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾

توقفت طويلًا عند كلمة واحدة: الماء.

لماذا الماء؟

لماذا لم يشبّه الله الدنيا بالرمل، أو بالظل، أو بالدخان، أو بالوردة التي تذبل؟ ربما لأن الماء أكثر الأشياء شبهًا بهذه الحياة التي نعيشها، نحتاجه، ولا نستطيع امتلاكه. نشرب منه، ولا نستطيع أن نسكن فيه، نفرح به حين يأتي، ونفتقده حين يغيب، لكنه لا يبقى في الحالة نفسها لحظة واحدة.

 

الماء الذي كان غيمة في السماء قد يصبح قطرة على نافذتك، ثم جدولًا في الأرض، ثم بخارًا لا تراه.

والشيء نفسه يحدث بنا.

كان هناك يوم لم نكن فيه شيئًا من هذه الصورة التي نعرفها عن أنفسنا، ثم جئنا أطفالًا ثم ركضنا خلف أشياء صغيرة، وكنا نظن أنها أكبر أحلام العالم، كبرنا تغيرت أشياء كثيرة.

أشخاص كنا نظن أنهم سيبقون معنا إلى آخر الطريق، مضوا.

أبواب كنا نظن أنها لن تُفتح، فُتحت.

وأبواب أخرى دخلناها ونحن نظن أننا سنبقى فيها، ثم وجدنا أنفسنا خارجها.

حتى وجوهنا التي نراها كل صباح أمام المرآة تتغير بصمت، سنة بعد سنة، وكأن الزمن ماء خفي يمر علينا ولا نراه.

ومع ذلك، ما زلنا نتصرّف أحيانًا كأن الحياة ستبقى حيث تركناها أمس.

نشتري، ونجمع، ونخطط، ونؤجل، ونقول: عندما أصل إلى هناك سأرتاح.

هناك…

حيث لا يوجد شيء اسمه هناك.

فكلما وصل الإنسان إلى شيء، وجد أن الشيء نفسه بدأ يتحرك وهذه إحدى حيل الدنيا الجميلة.

تعطيك ما تريد، ثم تجعلك تخشى فقده… تمنحك المال، فتبدأ بالخوف عليه… تعطيك النجاح، فتبدأ بالخوف من سقوطك.

تمنحك من تحب، فتكتشف أن الحب نفسه يحمل معه خوف الفراق.

حتى السعادة، حين نحاول أن نمسكها بقوة، تتحول أحيانًا إلى قلق من أن تذهب.

 

وهكذا تمرّ الدنيا بنا.

تمنحنا وتأخذ منا، لكن أجمل ما فيها ليس ما بقي منها في أيدينا، بل ما تركته فينا وما تركناه فيها.

فالماء حين يشربه التراب لا يعود تراه العين، لكنك تراه بعد حين في اخضرار شجرة، وفي ثمرة ناضجة، وفي ظلّ يستريح تحته عابر.

 

وهكذا الأثر الجميل… قد تنسى المبلغ الذي أعطيته، لكن لا يُنسى قلبٌ أكرمته به.

وقد تنسى درسًا علّمته، لكن قد يبقى في عقل إنسان سنوات طويلة.

وقد لا تتذكر كلمة قلتها عابرًا، بينما كان أحدهم يحتاجها يومها أكثر مما كنت تعرف.

الأثر لا يشبه صاحبه دائمًا قد يرحل الإنسان، ويبقى منه شيء لا يشبه الرحيل:

رحمةٌ في قلب، ومعرفةٌ في عقل، وابتسامةٌ في ذاكرة، وخيرٌ يتناقل من يدٍ إلى يد.

وهنا يصبح الرحيل أقل وحشة.

 

فنحن لا نستطيع أن نحتفظ بالأيام، لكننا نستطيع أن نجعلها تترك وراءها شيئًا جميلًا.

قد لا نملك العمر كله، لكننا نملك ما نضعه فيه.

قد لا نملك أن نبقى، لكن يمكن لخيرنا أن يجد طريقه إلى من بعدنا.

ولهذا حين يقول الله:

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾

أشعر أن الآية تفتح نافذة أخرى على معنى البقاء فليس كل ما يبقى شيئًا نراه.

بعض البقاء يحدث في قلب إنسان وبعضه في حياة لم نعد جزءًا منها وبعضه عند الله، حيث لا تضيع قطرة خير.

ثم تعود بي الآية إلى أول الصورة:

ماءٌ نزل من السماء… فأنبت. ثم مضى.

 

وربما أجمل ما في الإنسان أن يكون مثل ذلك المطر: يمرّ، ولا يأخذ المكان معه بل يتركه أكثر اخضرارًا.

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com