بقلم: مريم القيواني
ناشطة مجتمعية قانونية | باحثة في السيكولوجيات والسلوكيات البشرية | خبير علوم جنائية
تتكرر في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي عبارة: «متى تنفق المرأة على زوجها؟»، وأحيانًا تُطرح وكأن إنفاق المرأة على زوجها أصبح التزامًا طبيعيًا لمجرد أنها موظفة أو تملك دخلًا يفوق دخل الزوج.
لكن هذا الطرح يحتاج إلى قدر من الوعي؛ لأن القدرة المالية للمرأة لا تعني تلقائيًا انتقال مسؤولية النفقة إليها، كما أن مساعدة الزوجة لزوجها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للضغط عليها أو الانتقاص من حقوقها المالية.
النفقة مسؤولية وليست مسألة منافسة
في التصور الشرعي للأسرة، النفقة على الزوجة والأولاد من مسؤوليات الزوج بحسب استطاعته، وتشمل الاحتياجات الأساسية بالمعروف. قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[النساء: 34]
وفي الوقت نفسه، فإن للمرأة ذمة مالية مستقلة، ومالها الذي تكسبه أو تملكه ليس ملكًا للزوج لمجرد قيام العلاقة الزوجية.
ومن هنا يجب التفريق بين أمرين:
أن تنفق المرأة باختيارها، وأن تكون مطالبة بالإنفاق عليها أو على زوجها باعتباره واجبًا أصليًا.
متى يمكن للمرأة أن تنفق على زوجها؟
يمكن للزوجة أن تساعد زوجها ماليًا عندما تكون لديها القدرة والرغبة في ذلك، خصوصًا في الظروف الاستثنائية، مثل المرض، أو التعثر المالي، أو وجود التزامات طارئة، أو رغبتها في دعم مشروع أو هدف أسري.
وهنا تكون المساعدة موقفًا اختياريًا وشراكة أسرية، لا انتقاصًا من المرأة ولا إسقاطًا تلقائيًا لمسؤولية الزوج.
وقد يكون من أجمل صور الحياة الزوجية أن يقف كل طرف إلى جانب الآخر عندما يحتاج إليه، لكن الشراكة لا تعني بالضرورة تطابق المسؤوليات أو إلغاء الحقوق.
هل راتب الزوجة يصبح حقًا للزوج؟
هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تصحيح.
راتب المرأة ومالها الخاص ملك لها، ولا يصبح ملكًا للزوج لمجرد الزواج، ولا لمجرد أنها تعمل أو تتقاضى راتبًا.
وإذا أرادت الزوجة أن تساهم في مصروف المنزل، فمن المهم أن يكون ذلك قائمًا على الرضا والاتفاق الواضح، وليس على الإكراه أو الشعور بالذنب.
فالزواج علاقة مودة ورحمة، وليس علاقة مالية تقوم على الاستيلاء على دخل أحد الطرفين.
ماذا لو كان الزوج غير قادر ماليًا؟
هنا تظهر أهمية الوعي بدل إصدار الأحكام.
إذا مر الزوج بضائقة مالية، فقد تختار الزوجة الوقوف إلى جانبه ومساعدته، وهذا قد يكون من صور التعاون والمودة داخل الأسرة.
لكن ينبغي ألا تتحول المساعدة المؤقتة إلى اعتماد دائم دون اتفاق، خصوصًا إذا كانت الزوجة تتحمل أعباء مالية كبيرة دون وضوح في المسؤوليات.
ومن الناحية الأسرية، الأفضل أن يجلس الزوجان ويتفقا بوضوح على:
من يدفع الإيجار؟
من يتحمل المصروفات الأساسية؟
كيف تُدار الديون؟
ما حدود مساهمة كل طرف؟
وهل المبلغ الذي تقدمه الزوجة مساعدة أم قرض أم مساهمة مشتركة؟
فالوضوح المالي قد يمنع كثيرًا من الخلافات الزوجية.
أخطر ما في الموضوع: تحويل المساعدة إلى حق مكتسب
قد تبدأ المسألة بمساعدة بسيطة من الزوجة، ثم تتحول تدريجيًا إلى التزام دائم، ثم يصبح امتناعها عن الدفع سببًا للخصام.
وهنا يجب أن نتوقف.
المساعدة التي تقدمها المرأة برضاها لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى حق مكتسب للطرف الآخر.
كما أن مطالبة الزوجة بالمساهمة لا ينبغي أن تكون بطريقة تقلل من قيمتها أو تجعلها تشعر بأنها مطالبة بإثبات حبها من خلال مالها.
الحب لا يُقاس بالراتب، والرجولة لا تُقاس بقدرة الزوج على منع زوجته من العمل، والمرأة القوية ماليًا لا تفقد أنوثتها عندما تساعد زوجها.
الزواج شراكة… ولكن الشراكة لا تعني إلغاء الحقوق
من المهم أن نبتعد عن خطاب يضع الرجل والمرأة في مواجهة مالية.
فالأسرة الناجحة ليست ساحة لمعرفة «من دفع أكثر؟»، وإنما مساحة للتعاون وتحمل المسؤولية.
قد يكون الزوج هو المنفق الأساسي، وقد تختار الزوجة أن تساعده، وقد يتفق الطرفان على إدارة مالية مشتركة، لكن الأساس هو الرضا والوضوح والاحترام وعدم الإكراه.
وفي المقابل، فإن مطالبة الزوج بحقوقه المالية المشروعة لا تعني أنه يستغل زوجته، كما أن حفاظ الزوجة على استقلال مالها لا يعني أنها لا تحب زوجها.
كلمة أخيرة
السؤال الصحيح ليس فقط: «متى تنفق المرأة على زوجها؟»
بل الأهم أن نسأل:
هل تنفق باختيارها؟ وهل يوجد اتفاق واضح؟ وهل تحفظ حقوق الطرفين؟ وهل تحولت المساعدة إلى استغلال؟
إن الوعي المالي داخل الأسرة جزء من الوعي المجتمعي؛ لأن كثيرًا من النزاعات الزوجية لا تبدأ من قلة المال، وإنما من غياب الاتفاق، وسوء فهم الحقوق، وعدم وضوح المسؤوليات.
والمرأة التي تساعد زوجها بإرادتها لا ينبغي أن تُلام، كما أن المرأة التي تتمسك بمالها وحقوقها المالية لا ينبغي أن تُتهم بقلة الوفاء.
فالزواج مودة ورحمة، والمال وسيلة لاستقرار الأسرة، وليس معيارًا للحب أو الكرامة.
«ساعد شريك حياتك عندما تستطيع وتريد، ولكن لا تجعل المساعدة بابًا لإلغاء الحقوق أو فرض الالتزامات بغير اتفاق.»



(
(




