|  آخر تحديث أكتوبر 24, 2025 , 18:34 م

الرجعية الحميدة والاستثناء القضائي على مبدأ عدم الرجعية 


الرجعية الحميدة والاستثناء القضائي على مبدأ عدم الرجعية 



 

تأصيل فقهي وقضائي في ضوء كتاب “قضاء الإلغاء”

بقلم : المستشار الدكتور / أحمد فريد 

 

 

يُعد مبدأ عدم رجعية القوانين من الدعائم الأساسية لدولة القانون، إذ يرمي إلى حماية الثقة المشروعة واستقرار المراكز القانونية التي نشأت في ظل قانون قديم، فلا يجوز المساس بها بأثر رجعي بقانون لاحق إلا بنص صريح، وفي نطاق ضيق تبرره اعتبارات العدالة أو النظام العام.

وقد تناولت المؤلفات الفقهية هذا المبدأ على نطاق واسع، غير أن مؤلف “قضاء الإلغاء” قد أولاه معالجة متعمقة بوصفه أحد أركان الشرعية الإدارية التي يتفرع عنها مبدأ استقرار الأوضاع القانونية، فبيّن أن الإدارة حين تصدر قراراتها إنما تخضع هي الأخرى لهذا المبدأ، فلا يسوغ أن تُعمل أثراً رجعياً لقراراتها أو للوائحها إلا في حدود ما يقرّه القانون أو تفرضه اعتبارات المصلحة العامة الصريحة.

الأصل أن القاعدة القانونية تُطبَّق على الوقائع والمراكز القانونية التي تنشأ بعد نفاذها، ولا تمتد إلى الماضي، وهو ما نصت عليه المادة (225) من الدستور المصري التي قررت أن : القوانين لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها.

وقد استقرت محكمة النقض المصرية على هذا المعنى في حكمها الصادر في الطعن رقم 227 لسنة 55 ق جلسة 13/1/1992، حيث قررت : الأصل أن القانون الجديد لا يسري على الوقائع السابقة على نفاذه، ولا يجوز إضفاء أثر رجعي عليه إلا بنص صريح أو لضرورة تقتضيها العدالة أو النظام العام.

وفي المجال الإداري، أكدت المحكمة الإدارية العليا ذات المبدأ في حكمها الصادر في الطعن رقم 1464 لسنة 33 ق.ع – جلسة 11/4/1992، والذي جاء فيه: القرار الإداري الصحيح الذي رتب آثاره القانونية لا يجوز سحبه أو إلغاؤه بأثر رجعي، إذ يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار المراكز القانونية التي اكتسبها الأفراد.

وقد أشار المؤلف في “قضاء الإلغاء” إلى أن هذا القضاء يجسد تطبيقاً حياً لمبدأ الثقة المشروعة، الذي يُعد أحد مظاهر مبدأ عدم الرجعية، مؤكداً أن الغاية من هذا الأصل ليست حماية المراكز القانونية الفردية فحسب، بل حماية استقرار النظام القانوني ذاته ومنع الإدارة من التقلب في قراراتها دون ضابط.

أما عن الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم الرجعية

فرغم صرامة هذا المبدأ، فإن القضاء الإداري والفقه قد أقرا استثناءات محدودة تقتضيها العدالة أو المصلحة العامة أو تصحيح الأوضاع القانونية الباطلة.

وقد تناول المؤلف هذه الاستثناءات تفصيلًا، مؤكدًا أن نطاقها يجب أن يفسَّر تفسيراً ضيقاً، وأنها لا تمثل خروجاً على المبدأ بقدر ما تمثل تطبيقاً استثنائياً للشرعية ذاتها.

– الرجعية لتصحيح الأوضاع القانونية الباطلة

يُعد هذا أول استثناء للمبدأ العام، فحينما يصدر قرار إداري معيب بعيب جسيم، يجوز للإدارة أن تسحبه بأثر رجعي لإزالة آثاره غير المشروعة.

وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في العديد من أحكامها تطبيقاً لهذا المبدأ بقولها : يجوز سحب القرار الإداري الباطل متى كان معيباً بعيب جسيم، إذ أن بقاءه يعد استمراراً في مخالفة المشروعية.

وقد رأى المؤلف أن هذا الاستثناء لا يُعد مساساً بمبدأ عدم الرجعية، لأن القرار الباطل لم يولد حقاً مشروعاً يستحق الحماية، ومن ثم فإن إلغاءه بأثر رجعي إنما هو عودة إلى المشروعية وليس عدواناً عليها.

– الرجعية لمصلحة الأفراد (الرجعية الحميدة)

الاستثناء الثاني هو ما أطلق عليه المؤلف في “قضاء الإلغاء” مصطلح الرجعية الحميدة، أي الرجعية التي تعمل لصالح الأفراد وتُعيد إليهم حقاً مسلوباً أو مركزاً قانونياً أُهدِر خطأ.

وقد كرّست المحكمة الإدارية العليا هذا الاتجاه ، حيث قضت بإلغاء قرارات ترقية متتابعة كانت قد تخطت الطاعن، وأمرت بإرجاع أقدميته إلى التاريخ الذي استُبعد فيه ظلماً، مما يعني إعمال الأثر الرجعي لصالحه.

وهذا الحكم – كما أوضح المؤلف – يعبّر عن أن مبدأ عدم الرجعية ليس غاية في ذاته، بل أداة لتحقيق العدالة، فإذا كان الرجوع في الأثر يؤدي إلى تصحيح ظلم إداري أو استعادة حق مكتسب، فإن ذلك لا يُعد مخالفة للمبدأ بل تحقيقًا لمقصده الأسمى.

– الرجعية بنص خاص أو ضرورة عامة

قد يُقر المشرع صراحة في نص القانون أو اللائحة رجعية تطبيق حكم معين، شريطة أن يكون ذلك واضحاً لا لبس فيه.

وقد بيّنت محكمة النقض هذا المبدأ انه لا يسري القانون بأثر رجعي إلا إذا نص المشرع على ذلك صراحة أو كان ذلك مستفاداً بوضوح من عباراته أو من طبيعة النص.

وفي هذا السياق، يرى المؤلف أن هذا الاستثناء يجب أن يُضبط بنصوص واضحة حتى لا يُستخدم ذريعة للمساس باستقرار الحقوق، وأنه لا يجوز تفسير النصوص التقديرية على نحو يسمح بمد أثرها إلى الماضي.

يخلص المؤلف في “قضاء الإلغاء” إلى أن القضاء الإداري المصري قد سار على نهج مجلس الدولة الفرنسي في حماية المراكز القانونية المستقرة، وأنه وإن اعترف بوجود استثناءات محدودة، إلا أنه أبقى الأصل في عدم المساس بالآثار القانونية التي اكتسبها الأفراد بقرارات صحيحة.

فمن غير المقبول أن تُعامل الإدارة الأفراد على نحو متقلب يتبدل بتغير الرأي أو الأشخاص، لأن ذلك يقوّض الثقة العامة في تصرفاتها.

وقد جسّد القضاء المصري هذا التوازن بين المبدأ والاستثناء بقدر بالغ من الدقة، فحافظ على المشروعية والعدالة معًا، فجعل الرجعية وسيلة لتصحيح الباطل لا لإهدار الحقوق.

إن مبدأ عدم رجعية القوانين والقرارات الإدارية يمثل ضمانة أساسية لاستقرار الأوضاع القانونية، وقد تناول المؤلف في “قضاء الإلغاء” أن المصلحة العامة لا يمكن أن تتحقق في مجتمع يتبدل فيه القانون بأثر رجعي.

فالقانون بطبيعته يجب أن يكون ناظراً إلى المستقبل، وأن أي خروج على هذا الأصل لا يُقبل إلا بنص صريح أو مبرر استثنائي قاهر، وإلا عدّ إخلالاً بمبدأ الشرعية ذاته.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com