|  آخر تحديث يوليو 18, 2026 , 19:03 م

اشترِ نفسك… قبل أن تبيعها الحياة


اشترِ نفسك… قبل أن تبيعها الحياة



بقلم: مريم عبدالله القيواني

ناشطة مجتمعية قانونية ورائدة أعمال إماراتية

 

نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الأحكام سريعة، والمقارنات لا تنتهي، وأصبح كثير من الناس يقيسون قيمة الإنسان بما يملكه، أو بما يقدمه، أو بعدد من يصفق له. وفي خضم هذا الضجيج، ينسى الإنسان سؤالًا في غاية الأهمية:

 

هل ما زلت أملك نفسي… أم أنني بعتها دون أن أشعر؟

 

قد لا يكون بيع النفس بالمال، بل قد يبدأ بتنازل صغير يتكرر حتى يصبح أسلوب حياة. عندما تتخلى عن مبادئك لتنال إعجاب الآخرين، أو تصمت عن الحق خوفًا من خسارة علاقة أو منصب، أو تجعل سعادتك مرهونة برأي الناس فيك، فأنت تمنح الآخرين حق تقييم حياتك، وتتنازل شيئًا فشيئًا عن ذاتك.

 

أما أن تشتري نفسك، فمعناه أن تستعيد حقك في أن تعيش وفق قيمك، وأن تعرف من أنت، وإلى أين تريد أن تصل، وأن يكون ميزانك الأول رضا الله، ثم احترامك لنفسك، لا تصفيق الناس ولا انتقاداتهم.

 

السلام الداخلي لا يعني غياب المشكلات، وإنما يعني أن تمتلك قلبًا مطمئنًا وسطها. 

 

إنه أن تتقبل ما لا تستطيع تغييره، وتجتهد فيما تستطيع إصلاحه، وأن تؤمن بأن لكل إنسان رزقه وطريقه، فلا تُرهق نفسك بالمقارنات التي لا تزيد القلب إلا تعبًا.

 

ومن علامات من اشترى نفسه أنه يعرف كيف يقول “لا” عندما تتعارض الطلبات مع كرامته أو وقته أو مسؤولياته، ويقولها بأدب واحترام، لأن وضع الحدود ليس أنانية، بل هو احترام للنفس وللآخرين.

 

ومن الحكمة أيضًا أن يمنح الإنسان نفسه وقتًا للخلوة، يراجع فيه أفكاره وقراراته بعيدًا عن ضجيج الحياة. ففي لحظات الهدوء يكتشف الإنسان ما يحتاج إلى تغييره، ويعيد ترتيب أولوياته، ويستعيد توازنه.

 

ولا تجعل أخطاء الماضي سجنًا تعيش فيه. كل إنسان يخطئ، لكن الناجح هو من يحوّل الخطأ إلى درس، والفشل إلى خبرة، والتجربة إلى بداية جديدة. فالتوبة، والتعلم، والإصرار على الإصلاح، كلها أبواب تعيد للإنسان ثقته بنفسه.

 

وتذكّر دائمًا أن هناك فرقًا بين الألم والمعاناة. فالألم جزء من الحياة، أما المعاناة فهي أن نستسلم لليأس أو الاعتراض أو الغضب. المؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيواجه الابتلاء بالصبر، ويأخذ بالأسباب، ويحسن الظن بربه.

 

ولا تجعل حياتك رحلة لإثبات نفسك للآخرين. 

 

فالإنسان الذي يقضي عمره يبحث عن رضا الناس، قد يخسر نفسه دون أن يرضي الجميع. أما من عرف قيمته، وأخلص في عمله، وأدى واجبه، واستقام على مبادئه، فقد فاز بأعظم مكسب.

 

وفي نهاية المطاف، سيقف كل إنسان مع نفسه، وينظر إلى شريط حياته. والسؤال الذي سيبقى: هل عشت حياتك كما أردتها وفق مبادئك، أم عشتها كما أرادها الآخرون لك؟

 

فاحرص أن تكون حياتك هي قصتك أنت، لا نسخة كتبها غيرك. احفظ كرامتك، وتمسك بمروءتك، وأحسن علاقتك بربك، ولا تجعل نفسك سلعةً تُباع بثمن رضا الناس.

 

اشترِ نفسك بالإيمان، وبالعلم، وبالأخلاق، وبالثبات على الحق، وبالسلام الداخلي. 

 

فمن عرف قدر نفسه، وأرضى ربه، لن يستطيع أحد أن ينتقص من قيمته، لأن قيمته أصبحت نابعة من داخله، لا من أحكام الناس عليه.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com