|  آخر تحديث يوليو 19, 2026 , 3:25 ص

عندما يصبح البر قضية


عندما يصبح البر قضية



  • بقلم : المحامية شيرين كم نقش 

 

 

﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾…. 

لعلها من أبلغ الآيات التي اختزلت حقيقة الحياة، فقد جمعت أغلى ما يحرص عليه الإنسان في حياته: المال الذي يسعى إليه، والأبناء الذين يكدح من أجلهم. لكن الزينة لا تدوم إذا فقدت روحها، ولا يبقى للمال معنى إذا انتهت رحلة العمر بأبٍ يقف أمام القضاء يطلب من أبنائه ما كان يمنحهم إياه يومًا بلا حساب. 

على مدى سنوات عملي في المحاماة، عبرت أمامي آلاف القضايا. كثير منها انتهى بإغلاق ملفاته، أما بعضها فقد بقي مفتوحًا في الذاكرة، لأن أوراقه لم تكن تحمل نزاعًا قانونيًا فحسب، بل كانت تحمل وجعًا إنسانيًا يصعب نسيانه. 

رأيت آباءً وأمهاتٍ أفنوا أعمارهم في العمل، وبذلوا المال والجهد، وحرَموا أنفسهم من كثير من رغباتهم ليؤمنوا لأبنائهم مستقبلًا كريمًا. كانوا يظنون أن ما يغرسونه اليوم سيحصدونه غدًا محبةً ووفاءً وسندًا عند الكِبر. لكنهم، حين أثقلتهم السنون وضاقت بهم الحال، وجدوا أنفسهم يقفون أمام القضاء يطلبون حكمًا يُلزم أبناءهم بنفقة تكفل لهم أبسط مقومات العيش. 

في تلك اللحظة لا يكون الأب فقيرًا إلى المال بقدر ما يكون فقيرًا إلى الشعور بأنه لم يصبح عبئًا على من كان يومًا كل حياته. وما أقسى أن يتحول البر، الذي كان ينبغي أن ينبع من القلب، إلى التزام تفرضه المحكمة. 

وما زالت عبارة سمعتها داخل قاعة المحكمة ترن في أذني حتى اليوم. كان ابنٌ يطلب الحجر على والده، وبين دفوع القانون ومرافعات الخصوم، وقف الأب مخاطبًا القاضي بصوتٍ أنهكه الألم وقال: **”يا ليتني كنت عاقرًا ولم أنجب هذا الولد.”** 

ساد الصمت… ولم يكن ذلك الصمت احترامًا للمحكمة، بل احترامًا لوجعٍ عجزت الكلمات عن حمله. يومها أدركت أن بعض الأحكام، مهما بلغت عدالتها، لا تستطيع أن تجبر كسرًا أصاب قلب أبٍ شعر أن سنوات عطائه انتهت إلى خصومة مع فلذة كبده. 

لكن العدالة تقتضي أن تُروى الصورة كاملة. 

فكما رأيت أبناءً أوصلوا آباءهم إلى أبواب المحاكم، رأيت أبناءً آخرين جعلوا من بر الوالدين أسلوب حياة. لم ينتظروا قانونًا يلزمهم، ولم يسألوا عن مقدار النفقة الواجبة، بل كانوا يتسابقون إلى خدمتهم، ويعدّون رعاية والديهم شرفًا لا عبئًا، ودعاءهما كنزًا لا يُشترى. كانوا يرون في شيخوخة والديهم فرصة لرد جزء يسير من دينٍ يستحيل سداده. 

وما بين هاتين الصورتين تتجلى حقيقة المجتمع. فليست قيمة الإنسان فيما يملك من مال، ولا فيما يحققه من نجاح، بل في الطريقة التي يرد بها الجميل لأول يدٍ امتدت إليه بالعطاء. 

لقد منح القانون للوالدين حق المطالبة بالنفقة، وأجاز لهما اللجوء إلى القضاء إذا قصر الأبناء في واجبهم، لأن الحقوق لا يجوز أن تضيع. غير أن القانون، مهما بلغ من القوة، يظل عاجزًا عن إلزام القلوب بالمحبة، أو إصدار حكم يقضي بالوفاء، أو إعادة الدفء إلى علاقةٍ أنهكها الجحود. 

إن أكثر القضايا إيلامًا ليست تلك التي تنتهي بحكم، بل تلك التي تنتهي بسؤالٍ يبقى معلقًا في الضمير: كيف يصل أبٌ حمل أبناءه صغارًا، إلى أن يحتاج في آخر عمره إلى من يحمل عنه همَّه فلا يجد إلا قاعة المحكمة؟ 

لذلك، فإن أعظم انتصار لا يتحقق عندما يكسب أحد أطراف الدعوى حكمًا قضائيًا، وإنما عندما لا تنشأ هذه الدعوى أصلًا. عندما يبقى باب البيت مفتوحًا قبل باب المحكمة، وتبقى الرحمة أقوى من النص، والوفاء أسبق من الإلزام، ويظل الأبوان مكرمين بمحبة أبنائهما، لا بأحكام القضاء. 

فالمحاكم خُلقت لحماية الحقوق، لكنها لم تُخلق لتكون البديل عن الضمير. 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com