بقلم: مريم عبدالله القيواني
كاتبة وباحثة في الشأن الاجتماعي والإنساني
من أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان نقاء القلب، وحسن الظن بالآخرين، والرغبة في رؤية الخير في كل من يمر في حياته.
لكن مع مرور السنوات، نتعلم أن الحياة لا تُدار بالعاطفة وحدها، وأن القلوب البيضاء تحتاج أيضاً إلى بصيرة تحميها.
في بدايات العلاقات، تبدو الصورة دائماً جميلة؛ الابتسامات صادقة، والكلمات منمقة، والوعود كثيرة، وكل طرف يحرص على إظهار أجمل ما لديه. لذلك يقال إن الجميع رائعون في البدايات، لأن المواقف التي تكشف المعادن لم تأتِ بعد.
والمشكلة ليست في البدايات، بل في استعجالنا للحكم.
فكثيراً ما نمنح الثقة الكاملة قبل أن يمنحنا الزمن فرصة لمعرفة حقيقة الأشخاص، ثم نتساءل لاحقاً: لماذا خُذلنا؟
في رأيي، نحن لا نتألم دائماً بسبب الآخرين، بل بسبب الصورة المثالية التي رسمناها لهم في عقولنا.
نضيف إلى شخصياتهم صفات لم يعدونا بها، ونبني توقعات لم يلتزموا بها، ثم نصاب بخيبة الأمل عندما تتحدث المواقف بلغة تختلف عن لغة الكلمات.
وهنا يبرز الفرق بين حسن الظن والثقة. فحسن الظن قيمة أخلاقية تعكس نقاء النفس، أما الثقة فهي مسؤولية لا تُمنح إلا بعد أن تُثبتها الأيام. فالكلمات قد تُقال بسهولة، لكن المواقف وحدها هي التي تكشف صدقها.
لقد علمتني الحياة أن الإنسان ليس مطالباً بأن يغلق قلبه خوفاً من الخذلان، كما أنه ليس مطالباً بأن يفتح أبوابه للجميع دون تمييز. الحكمة الحقيقية تكمن في التوازن؛ أن نحافظ على إنسانيتنا، دون أن نفرط في حماية أنفسنا.
كما تعلمت أن الأخلاق ليست صفقة تبادل. نحن نحسن لأن الإحسان يعبر عن تربيتنا وقيمنا، ونصدق لأن الصدق جزء من شخصيتنا، لا لأننا نضمن أن الجميع سيقابلون ذلك بالمثل.
فمن رد الإحسان بالإحسان، فقد كسبنا إنساناً نبيلاً، ومن أساء، فقد كشف عن نفسه قبل أن يكشف شيئاً عنا.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان هو التعرض للخديعة. لكنني أؤمن أن الخديعة لا تنتقص من قيمة الصادق، بل تكشف حقيقة المخادع. فالصدق لا يصبح ضعفاً لأن غيره استغله، كما أن الأمانة لا تفقد قيمتها لأن هناك من خانها.
الحياة لا تطلب منا أن نصبح أكثر قسوة، وإنما أن نصبح أكثر وعياً. أن نمنح الوقت فرصة ليكشف النفوس، وأن نجعل المواقف هي المقياس الحقيقي، لا الانطباعات الأولى.
فالبدايات للتعارف، والمواقف للتمييز، والزمن هو الشاهد الذي لا يجامل أحداً.
وفي النهاية، أؤمن أن أجمل القلوب هي تلك التي بقيت نقية رغم ما مرت به، لكنها أصبحت أكثر حكمة في منح الثقة، وأكثر قدرة على حماية نفسها دون أن تفقد دفئها.
ليس المطلوب أن نتوقف عن الثقة، بل أن نجعلها ثمرةً للمواقف، لا هديةً نقدمها عند أول لقاء.
فالنبل لا يتعارض مع الحذر، كما أن البحر، رغم جماله واتساعه، لا يمنعنا من تعلم السباحة وحمل طوق النجاة.



(
(




