|  آخر تحديث يوليو 18, 2026 , 16:54 م

يوم عهد الاتحاد الاماراتي … حين أصبح الإيمان بالوطن أعظم استثمار في المستقبل


يوم عهد الاتحاد الاماراتي … حين أصبح الإيمان بالوطن أعظم استثمار في المستقبل



 

بقلم : الدكتور المهندس خالد النابلسي 

 

ليست جميع الأيام الوطنية سواء، فثمة أيامٌ تؤرخ لحدث، وثمة أيامٌ تؤسس لفكرة، غير أن يوم عهد الاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة يمثل أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه اليوم الذي انتصرت فيه الحكمة على التحديات، ووُلدت فيه دولة لم تراهن على ثرواتها الطبيعية بقدر ما راهنت على الإنسان، ولم تبنِ مستقبلها على معطيات الحاضر، بل على استشراف الغد.

في الثامن عشر من يوليو عام 1971، اجتمع الآباء المؤسسون ليوقعوا وثيقة الاتحاد، ويضعوا دستور الدولة، معلنين بداية تجربة سياسية وتنموية غير مسبوقة في المنطقة. لم يكن ذلك التوقيع إجراءً دستورياً فحسب، بل كان إعلاناً عن ميلاد مدرسة جديدة في صناعة الدول، تقوم على الوحدة، والثقة، والرؤية بعيدة المدى، والإيمان بأن التنمية المستدامة تبدأ من وحدة القرار قبل وفرة الموارد.

لقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أن الاتحاد الإماراتي لم يكن مشروعاً مرحلياً، بل مشروعاً حضارياً متجدداً، استطاع أن يحول الصحراء إلى مختبر عالمي للابتكار، وأن ينقل دولة فتية إلى مصاف أكثر دول العالم تأثيراً في الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والفضاء والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.

إن المتأمل في التجربة الإماراتية يدرك أن سر نجاحها لم يكن النفط، بل الفكر، ولم يكن الموقع الجغرافي، بل جودة الإدارة، ولم تكن الإمكانات وحدها، بل القيادة التي جعلت من المستحيل مجرد محطة مؤقتة في طريق الإنجاز.

ولعل أعظم ما يميز الإمارات أنها لم تكتفِ ببناء اقتصاد قوي، وإنما نجحت في بناء نموذج عالمي للدولة الحديثة؛ دولة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن المعرفة هي رأس المال الجديد، وأن الابتكار هو العملة الأكثر قيمة في اقتصاد المستقبل.

واليوم، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة “حفظه الله”، تدخل الإمارات مرحلة جديدة من تاريخها، لا تكتفي فيها بمواكبة التحولات العالمية، بل تسهم في صياغتها. فمن الاقتصاد الرقمي، إلى الذكاء الاصطناعي، إلى استكشاف الفضاء، وصولاً إلى الاستدامة والطاقة النظيفة، تثبت الإمارات أن الدول العظيمة لا تنتظر المستقبل، وإنما تصنعه.

إن الاحتفاء بيوم عهد الاتحاد ليس استذكاراً للماضي، بل هو تجديد للعهد مع منظومة من القيم التي صنعت هذا الوطن: الإخلاص، والانتماء، والعمل، والمسؤولية، والإيمان بأن الاتحاد ليس نصاً دستورياً، وإنما ثقافة وطنية تتجدد في كل مؤسسة، وفي كل مشروع، وفي كل إنجاز يحمل اسم الإمارات.

ومن منظور اقتصادي، فإن الاتحاد كان ولا يزال أعظم قرار استثماري في تاريخ المنطقة. فبفضله أصبحت الإمارات مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، وبيئة جاذبة للاستثمارات، ومنصة دولية للأعمال، ومعبراً رئيسياً للتجارة العالمية، ونموذجاً في المرونة الاقتصادية والحوكمة الرشيدة. وكل ذلك لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية آمنت بأن الاستقرار السياسي هو أساس الازدهار الاقتصادي، وأن الثقة هي العملة الأغلى في بناء الدول.

لقد أثبتت الإمارات للعالم أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها الجغرافية، بل بحجم تأثيرها، ولا بعدد سكانها، بل بقدرتها على صناعة الفرص، ولا بما تمتلكه من موارد، بل بما تنتجه من أفكار ورؤى وإنجازات.

إن يوم عهد الاتحاد هو رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن الأوطان العظيمة لا تُورث جاهزة، وإنما تُبنى كل يوم بسواعد أبنائها، وبإبداع علمائها، وبنزاهة مؤسساتها، وبولاء شعبها، وبقيادة تؤمن بأن سقف الطموح يجب أن يبقى أعلى من كل إنجاز.

وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة، نجدد العهد بأن تبقى الإمارات نموذجاً للوحدة، ومنارةً للتسامح، وعاصمةً للابتكار، وشريكاً عالمياً في صناعة السلام والتنمية والازدهار.

سيبقى يوم عهد الاتحاد شاهداً على أن أعظم القرارات في التاريخ هي تلك التي تصنع المستقبل قبل أن يراه الآخرون، وأن الإمارات كانت – وستبقى – الدليل الحي على أن الاتحاد ليس اتفاقاً بين إمارات، بل عهدٌ بين قيادة وشعب على أن يكون الوطن دائماً في المركز الأول.

رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه الآباء المؤسسين، وحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة، وقيادتها الرشيدة، وشعبها الكريم، لتظل راية الاتحاد خفاقة، ومسيرة الإنجاز ماضية، ورسالة الإمارات نموذجاً يُحتذى في العالم أجمع.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com