|  آخر تحديث يوليو 15, 2026 , 18:28 م

ليست كل امرأة صامتة بخير


ليست كل امرأة صامتة بخير



بقلم: مريم عبدالله القيواني

ناشطة مجتمعية قانونية

رائدة أعمال إماراتية

 

هناك نساء إذا رأيتهن، ظننت أن الحياة لم تهزمهن يومًا.

 

تجدهن مبتسمات، متماسكات، أنيقات، يتحدثن بثقة، ويقمن بواجباتهن تجاه أسرهن ومجتمعهن، فتعتقد أن كل شيء على ما يرام.

 

لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا…

 

فخلف ذلك الثبات قد تختبئ سنوات من الفقد، والانكسار، والديون، والقلق، ومحاولات لا تنتهي للحفاظ على ما تبقى من استقرار الأسرة.

 

هناك امرأة كانت تملك ما يكفيها، ثم تغيرت الحياة كما تتغير على الجميع. لم تختر الظروف التي مرت بها، ولم تكن تتوقع أن تجد نفسها يومًا تحسب قيمة كل درهم، أو تفكر كيف تؤمن سقفًا يحمي أبناءها.

 

ومع ذلك…

 

لم تمد يدها لتطلب الشفقة.

 

لم تجعل من ظروفها قصة تُروى في المجالس.

 

ولم تسمح لمعاناتها أن تنتزع منها كرامتها.

 

اختارت أن تقاوم بصمت.

 

وهناك نساء كثيرات يشبهنها.

 

أمهات حاضنات يحملن وحدهن مسؤولية أسرة كاملة، يخفين دموعهن حتى لا يراها أطفالهن، ويخرجن إلى المجتمع بوجه ثابت، لأنهن يؤمنّ أن الأطفال يحتاجون إلى أم قوية، حتى وإن كانت هذه القوة تستنزف ما تبقى في داخلها.

 

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كمجتمع هو:

 

هل أصبح الإنسان يخشى الحاجة أكثر من الحاجة نفسها؟

 

كم من امرأة تخشى أن تطلب المساعدة، ليس لأنها لا تحتاجها، بل لأنها تخاف أن تُنظر إليها بنظرة شفقة، أو أن تُوصم بالفشل، أو أن يقال: “كيف وصلت إلى هذا الحال؟”

 

وكأن الظروف لا يمكن أن تتغير.

 

وكأن الحياة أعطت الجميع عهدًا بأنها لن تتبدل.

 

الحقيقة التي علمتنا إياها الحياة هي أن الرخاء والضيق يتعاقبان على الناس، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يحمله من أخلاق، وما يبذله من جهد، وما يتحمله من مسؤولية.

 

إن المرأة التي تكافح من أجل أطفالها، وتحاول أن تحفظ بيتها، وتبحث عن حلول مشروعة، ليست امرأة ضعيفة، بل امرأة تمارس أسمى معاني الشجاعة.

 

ومن هنا، فإن رسالتي ليست إلى النساء فقط…

 

بل إلى المجتمع كله.

 

لا تحكموا على أحد من ظاهر حاله.

 

ولا تجعلوا طلب المساعدة سببًا في جرح كرامة إنسان.

 

ولا تظنوا أن من يبتسم لا يتألم.

 

 

ورسالتي أيضًا إلى الجهات المعنية…

 

قد تكون هناك أم حاضنة لا ينقصها الإيمان ولا الإرادة ولا الرغبة في الوفاء بالتزاماتها، وإنما ينقصها فقط أن تجد يدًا تمتد إليها في الوقت المناسب.

 

فالأسرة التي تُساند في بداية أزمتها، قد لا تصل أبدًا إلى مرحلة الانهيار.

 

والطفل الذي يرى مجتمعه يحمي أمه، سيكبر وهو يؤمن أن الرحمة ليست شعارًا، بل ممارسة.

 

وأخيرًا…

 

ليس كل صمت يعني قوة.

 

وليس كل قوة تعني أن صاحبها لا يحتاج إلى العون.

 

فبيننا أشخاص يقاتلون بصمت، ويحافظون على كرامتهم بصمت، وينتظرون من يراهم… دون أن يضطروا إلى أن يصرخوا.

 

فلنكن مجتمعًا يرى الإنسان قبل أن يرى ظروفه، ويصون كرامته وهو يمد له يد العون.

 

فالكرامة لا تتعارض مع طلب المساعدة، والرحمة لا تنتقص من هيبة القانون، بل تكمل رسالته.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com