بقلم | مريم القيواني
ناشطة اجتماعية حقوقية | كاتبة | صحفية | إعلامية |خبير علوم جنائية | باحثة في السيكولوجية والسلوك البشري
بمناسبة يوم المرأة الإماراتية – 28 أغسطس 2026
ليست المرأة الإماراتية حكاية نجاح تُروى في مناسبة، ولا صورة تُلتقط في يوم للاحتفاء بها؛ بل هي حكاية وطن بدأت منذ البدايات الأولى لمسيرة الاتحاد، وكبرت مع الإمارات، حتى أصبحت المرأة اليوم شريكة حقيقية في بناء الدولة وصناعة مستقبلها.
في 28 أغسطس من كل عام، تحتفي دولة الإمارات بالمرأة الإماراتية، وهو اليوم الذي يتزامن مع تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975، في محطة أسست لمسيرة وطنية راسخة في تمكين المرأة وتعزيز حضورها في مختلف المجالات.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس فقط: ماذا حققت المرأة الإماراتية؟
بل: ماذا أصبحت تمثل؟
من ابنة البيت إلى شريكة في صناعة القرار
المرأة الإماراتية لم تغادر بيتها لتبحث عن مكان في المجتمع؛ بل خرجت من بيتها وهي تحمل قيمه معها.
حملت معها احترام الأسرة، والوفاء للوطن، والاعتزاز بالهوية، ثم دخلت المدرسة والجامعة وميدان العمل، وأثبتت أن المحافظة على الأصالة لا تعني الوقوف في وجه التطور.
لقد أصبحت المرأة الإماراتية حاضرة في التعليم، والطب، والقانون، والإعلام، والاقتصاد، وريادة الأعمال، والعلوم، والفضاء، والقطاع الحكومي والخاص، وغيرها من المجالات.
وهذا الحضور لم يكن مجرد زيادة في أعداد النساء في مواقع العمل، وإنما انتقال حقيقي من المشاركة إلى التأثير.
وتؤكد المنصة الرسمية لحكومة الإمارات أن المرأة تتمتع بالحقوق الدستورية نفسها التي يتمتع بها الرجل، بما يشمل التعليم والعمل وممارسة المهن والملكية والمشاركة السياسية، كما تتضمن التشريعات الإماراتية مبادئ للمساواة في الأجور عند أداء العمل نفسه.
المرأة الإماراتية… قوة لا تُقاس بالمنصب
قيمة المرأة لا تبدأ من المسمى الوظيفي، ولا تنتهي عند عدد المناصب التي وصلت إليها.
هناك امرأة تصنع الفرق وهي في مكتبها، وأخرى تصنع الفرق في مدرستها، وثالثة في المستشفى، ورابعة في المحكمة، وخامسة في مشروعها الخاص، وهناك امرأة أخرى قد لا يعرفها أحد، لكنها تقف كل صباح لتبني أسرة وتربي أبناء وتصنع جيلاً يحمل اسم الإمارات.
كل هؤلاء نساء يصنعن الوطن.
فالإنجاز الحقيقي ليس دائمًا ما يظهر أمام الكاميرات؛ أحيانًا يكون أعظم إنجاز هو طفل تربى على المسؤولية، وأسرة حافظت على تماسكها، وموقف إنساني ترك أثرًا، وفكرة تحولت إلى مشروع، وكلمة صنعت وعيًا.
وفي عام الأسرة… تتأكد أهمية دورها
يأتي احتفالنا بالمرأة الإماراتية في عام الأسرة 2026، الذي تركز فيه دولة الإمارات على تعزيز الروابط الأسرية، ودعم الوالدين ومقدمي الرعاية، وتقوية العلاقات بين أفراد الأسرة، وبناء أسر أكثر استقرارًا وثقة.
وهنا تظهر صورة المرأة الإماراتية بصورة أوسع.
فهي ليست فقط امرأة عاملة أو قيادية أو صاحبة مشروع؛ بل هي أيضًا أم، وابنة، وزوجة، وأخت، ومربية، وشريكة في صناعة الوعي داخل الأسرة.
ومن هنا فإن تمكين المرأة لا ينبغي أن يعني تحميلها أدوارًا أكثر، وإنما منحها الأدوات والفرص والبيئة التي تساعدها على أداء أدوارها دون أن تضطر إلى الاختيار القاسي بين نجاحها وأسرتها.
من التمكين إلى الاستدامة
لقد قطعت الإمارات شوطًا كبيرًا في تمكين المرأة، ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى سؤال أكثر عمقًا:
كيف نحافظ على ما تحقق ونحوّله إلى إرث للأجيال القادمة؟
التمكين الحقيقي هو أن تحصل الفتاة الإماراتية على تعليم نوعي، وأن تجد فرصًا عادلة، وأن تعرف حقوقها، وأن تستطيع العمل والإبداع والابتكار، وأن يكون لها صوت مسموع، وأن تجد بيئة تحترم طموحها دون أن تفصلها عن هويتها وقيم مجتمعها.
فالمرأة التي نريدها للمستقبل ليست نسخة من أحد؛ إنها امرأة إماراتية بهويتها، عالمية بطموحها، واعية بحقوقها، مسؤولة عن مجتمعها، وقادرة على صناعة أثرها.
إلى المرأة الإماراتية…
لا تجعلي إنجازك مرتبطًا بتصفيق الآخرين.
قدّري ما صنعتِه، حتى وإن لم يره أحد.
وافتخري بكل مرحلة تجاوزتِها، وكل موقف جعلك أقوى، وكل مرة اخترتِ فيها أن تبدئي من جديد.
فالمرأة القوية ليست التي لم تنكسر يومًا، وإنما التي عرفت كيف تجمع نفسها، وتتعلم، وتواصل الطريق.
والمرأة الناجحة ليست التي وصلت وحدها، بل التي وصلت ثم فتحت الطريق لغيرها.
رسالة إلى الجيل الجديد
إلى بنات الإمارات…
لا تكتفين بأن ترثنَ إنجازات من سبقنكن؛ اصنعن إنجازاتكن أنتن.
تعلمْن، اسألن، ابتكرن، اختلفن باحترام، وامتلكن الشجاعة لتجربة الجديد.
احفظن هويتكن، فالحداثة لا تعني التخلي عن الجذور، والعالمية لا تعني فقدان الخصوصية.
كونوا امتدادًا لنساء إماراتيات بدأن المسيرة، وجيلًا جديدًا يكتب فصلًا أكثر اتساعًا منها.
المرأة الإماراتية ليست نصف المجتمع فقط…
المرأة الإماراتية أمٌّ تصنع إنسانًا.
ومربيةٌ تصنع وعيًا.
وعاملةٌ تصنع إنتاجًا.
وقائدةٌ تصنع قرارًا.
ومبدعةٌ تصنع مستقبلًا.
وإنسانةٌ تحمل في تفاصيل حياتها جزءًا من قصة الإمارات.
ولهذا، فإن الاحتفاء بالمرأة الإماراتية لا ينبغي أن يكون يومًا واحدًا في السنة، بل ثقافة مستمرة تبدأ من احترامها، وتمكينها، وحماية حقوقها، وتقدير عطائها، وفتح الأبواب أمام طاقاتها.
في 28 أغسطس، لا نحتفل بالمرأة الإماراتية لأنها وصلت فقط…
بل نحتفل بها لأنها ما زالت تمضي.
تمضي بثقة.
تمضي بهوية.
تمضي بعطاء.
وتمضي مع وطنٍ جعل من تمكين الإنسان أساسًا من أسس بناء المستقبل.
كل عام والمرأة الإماراتية شريكة في صناعة المجد…
وكل عام والإمارات وطنًا يحتفي بإنجاز بناته، ويفتح لهن أبواب الغد.



(
(






