بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
مسيرة بدأت بالثقة، وترسخت بالعلم والعمل، وتمضي اليوم نحو مستقبل تصنعه المرأة بعطائها وطموحها
حين نتحدث عن المرأة الإماراتية، فإننا لا نتحدث عن إنجازات منفصلة، بل عن مسيرة وطنية قامت على رؤية أدركت أن مشاركة المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة جزء أصيل من بناء مجتمع أكثر تقدماً واستدامة.
ومن هنا يأتي يوم المرأة الإماراتية لعام 2026 بشعار «بنظهر الأقوى والأفضل»، الذي أعلنته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية. ويصادف يوم المرأة الإماراتية 28 أغسطس من كل عام، بالتزامن مع ذكرى تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975، فيما يمتد الاحتفاء هذا العام من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر 2026.
فهل كان الإنجاز في مسيرة الإماراتية محطة وصول، أم بداية لطموح أكبر وأثر أبقى؟
وراء كل إنجاز تحققه الإماراتية اليوم حكاية ثقة بدأت مبكراً، ورؤية رأت في المرأة قدرة على العطاء والمشاركة وصناعة المستقبل. ومن هذه الثقة تشكلت مسيرة طويلة انتقلت فيها المرأة من فرص التعليم والعمل إلى ميادين أوسع من القيادة والبحث والابتكار والدبلوماسية والعمل الإنساني.
ثقة سبقت الإنجاز
منذ عهد الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كانت المرأة حاضرة في رؤية بناء الوطن، وقد قال:
«لا شيء يسعدني أكثر من رؤية المرأة الإماراتية تأخذ دورها في المجتمع وتحقق المكان اللائق بها.. يجب ألا يقف شيء في وجه مسيرة تقدمها.. للنساء الحق مثل الرجال في أن يتبوأن أعلى المراكز بما يتناسب مع قدراتهن ومؤهلاتهن».
ولم تكن هذه الرؤية مجرد دعوة إلى تمكين المرأة في موقع العمل، بل جسدت ثقة مبكرة بقدرتها على المشاركة والعطاء والإسهام في بناء الوطن وصناعة مستقبله.
وتتجلى آثار تلك الرؤية في الحضور المتميز للمرأة الإماراتية في مختلف ميادين العلم والعمل والقيادة والدبلوماسية والبحث والابتكار والعمل الإنساني، بما يعكس إسهامها المتنامي في مسيرة التنمية وصناعة المستقبل.
«الأقوى والأفضل».. ليست مسألة منصب
ومن منظوري التربوي، فإن قيمة «الأقوى والأفضل» لا تُقاس بمسمى وظيفي أو منصب تصل إليه المرأة، ولا بعدد الجوائز التي تحملها سيرتها؛ فالقوة الحقيقية تُبنى من الداخل، بالعلم والوعي والثقة بالنفس، وبالقدرة على الاستمرار والتطور وتحويل ما نتعلمه إلى أثر نافع.
فقد تكون المرأة أماً تصنع جيلاً، ومعلمة تبني فكراً، وطبيبة تمنح الأمل، وباحثة تضيف معرفة، وموظفة تؤدي رسالتها بإخلاص، أو امرأة عادت إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع واختارت أن تبدأ من جديد.
وهذه كلها صور للنجاح؛ لأن قيمة الإنجاز لا تُقاس بما يحققه من شهرة أو تقدير، وإنما بالأثر الذي يتركه في الأسرة والمجتمع. ومن هنا يصبح السؤال الأهم: ماذا صنعت المرأة بما حققته؟ وهل استطاعت أن تنقل معرفتها، وتفتح الطريق أمام غيرها، وتجعل من تجربتها مصدر إلهام؟
من «ربة منزل» إلى «صانعة جيل»
ومن المنظور التربوي أيضاً، لا يكتمل الحديث عن دور المرأة من دون التوقف عند رسالتها داخل الأسرة؛ فهي لا تسهم في صناعة المستقبل من خلال عملها فقط، وإنما من خلال ما تغرسه في أبنائها من علم وقيم وانتماء ومسؤولية.
وفي هذا السياق، جاء توجيه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم باعتماد مسمى «صانعة جيل» بدلاً من «ربة منزل»، تقديراً لدور المرأة في بناء الأسرة والإنسان.
فالأسرة هي المدرسة الأولى، وما يُغرس فيها اليوم ينعكس أثره على المجتمع غداً. ولذلك فإن تقدير دور المرأة داخل الأسرة لا ينتقص من إنجازها المهني، بل يوسع مفهوم الإنجاز ليشمل التربية وصناعة الإنسان.
المرأة والأسرة.. نجاح يتكامل ولا يتعارض
وراء كثير من قصص نجاح المرأة أسرة آمنت بها، ومؤسسة منحتها الفرصة، ومجتمع أدرك أن طموحها لا يتعارض مع مسؤولياتها الأسرية.
ولهذا فإن تمكين المرأة لا يعني أن تختار بين الأسرة والعمل، بل أن تتوافر لها بيئة تساعدها على التوفيق بينهما. فالمؤسسة التي تراعي الأسرة تستثمر في الإنسان، وتحافظ على الخبرة والاستقرار والإنتاجية.
المرأة.. شريكة في صناعة المستقبل
ويؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذا الدور بقوله:
«في يوم المرأة الإماراتية نحتفي بإنجازات المرأة في الإمارات وما قدمته وتقدمه من إسهامات بارزة في مسيرة الوطن، ونعبر عن تقديرنا لدورها المحوري في التنمية والتربية وتكوين الأسرة الصالحة، ونثق في أن عطاءها وتفانيها وإخلاصها يمثل مصدر قوة وإلهام لمسيرتنا نحو المستقبل في إطار رؤية “أم الإمارات 50:50”. ويداً بيد تمضي الإمارات إلى الأمام من خلال منظومة وطنية هدفها المستقبل الأفضل لوطننا وشعبنا».
وتبرز في هذا التوجيه مكانة المرأة في مسيرة الوطن، وتكامل أدوارها في التنمية والأسرة والمعرفة، وما يمكن أن يصنعه عطاؤها حين يتجاوز حدود النجاح الشخصي ليصبح قيمة نافعة للآخرين.
من إنجاز اليوم إلى أثر الغد
نفخر بكل إماراتية صنعت لنفسها مكاناً بالعلم والعمل؛ بحماة الوطن، والطبيبات، والمهندسات، والمعلمات، وبكل امرأة أسهمت في خدمة وطنها في مختلف الميادين، وبمن بلغن أعلى المناصب ومراتب العلم.
ونفخر أيضاً بكل امرأة اختارت طريقها بصبر وإصرار، ومضت في رحلة نجاحها رغم التحديات؛ فقد يبدأ الإنجاز من مشروع صغير، أو عودة إلى مقاعد الدراسة، أو اكتساب مهارة جديدة، أو تعلّم حرفة تحفظ بها موروث الإمارات وتصون أصالته.
فلكل امرأة حكاية تستحق أن تُروى، ولكل جهد صادق أثر يستحق التقدير.
ومن منظوري التربوي، فإن «بنظهر الأقوى والأفضل» لا تعني بلوغ منصب أو تحقيق إنجاز فحسب، بل أن تواصل المرأة تطوير ذاتها بالعلم والعمل، وأن تحوّل ما حققته إلى معرفة نافعة وأثر يمتد إلى أسرتها ومجتمعها.
فالقوة في الاستمرار، والأفضلية في العطاء، والإنجاز الحقيقي هو ما يفتح الطريق لغيره؛ لتصبح كل تجربة ناجحة فرصة لجيل جديد، وكل أثر لبنة في بناء جيل أقوى ومستقبل أفضل.
وفي يوم المرأة الإماراتية، لا نحتفي بما وصلت إليه المرأة فقط، بل بما يمكن أن تصنعه بعد ذلك. فقد أثبتت الإماراتية قدرتها على الإنجاز، واليوم تستطيع أن تجعل من إنجازها أثراً، ومن أثرها قيمة، ومن قيمتها إسهاماً جديداً في مستقبل وطنها.
وحين تنقل المرأة علمها، وتشارك خبرتها، وتفتح الطريق لغيرها، يصبح نجاحها أكبر من قصة شخصية؛ ويتحول إلى أثر تمتد دائرته من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الوطن.
فما تصنعه المرأة اليوم لا يكتب حاضرها فقط، بل يسهم في تشكيل ملامح الغد؛ لأن المرأة حين تصنع أثراً لا تكتب قصتها وحدها، وإنما تضيف سطراً جديداً إلى قصة وطن يمضي بثقة نحو المستقبل.



(
(






