بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا، ولا سلسلةً من الانتصارات المتتابعة، بل مدرسةٌ مفتوحة، نتعلّم فيها مع كل موقف، وننضج مع كل تجربة، حتى نصل إلى لحظةٍ فاصلة يتغيّر فيها الإنسان من الداخل. لحظةٌ لا يعود بعدها كما كان، لأنه لم يعد يرى الأشياء بعين الأمس، بل بعين الحكمة التي صنعتها الأيام.
فالإنسان يظل تلميذًا في مدرسة الحياة، يتعلّم يومًا بعد يوم، وتنضجه التجارب مهما ظن أنه بلغ الغاية من المعرفة. فالإنسان لا يولد مكتمل الخبرة، وإنما تبنيه المواقف، وتصقله التجارب، وتعيد تشكيله النجاحات والإخفاقات معًا. وكل تجربة، مهما كانت مؤلمة، تحمل في طياتها درسًا يُضيف إلى وعيه، ويقرّبه من النضج.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى أن الابتلاء جزءٌ من سنن الحياة التي تُهذّب الإنسان وتُظهر معادن النفوس، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية 155].
فالابتلاء ليس عقوبة بالضرورة، بل قد يكون تربيةً إلهية، تُعلّم الإنسان الصبر، وتمنحه البصيرة، وتدفعه إلى مراجعة نفسه، وإعادة ترتيب أولوياته.
وفي السنة النبوية، قال النبي ﷺ:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وهو حديثٌ نبويٌّ عظيم يرسّخ معنى أن كل ما يمرّ به الإنسان من تجارب، سواء كانت رخاءً أو ابتلاءً، يتحوّل في ميزان المؤمن إلى خيرٍ إذا أحسن التعامل معه بالصبر أو الشكر.
ومن هنا، يصل بعض الناس إلى ما يمكن وصفه نفسيًا بمرحلة اللاعودة؛ وهي ليست قسوةً ولا انتقامًا، وإنما مرحلة من النضج الوجداني يصبح فيها الإنسان أكثر وعيًا بذاته، وأكثر إدراكًا لما يستحقه من احترام وتقدير.
إنها المرحلة التي لا يتخذ فيها قراراته بدافع الغضب، بل بدافع الحكمة. فلا يعود إلى ما أثبتت التجارب أنه يؤذيه، ولا يُرهق نفسه في استنزاف المشاعر لإرضاء الجميع، لأنه أدرك أن الحفاظ على النفس مسؤولية، وأن الاتزان العاطفي ليس أنانية، بل شرطٌ لاستمرار الحياة بصورة صحية.
ومن منظور تربوي، تفسّر نظرية التعلم البنائي لعالم النفس السويسري جان بياجيه هذا التحوّل من خلال رؤيةٍ تؤكد أن الإنسان لا يتلقى المعرفة بصورة جامدة، وإنما يبنيها تدريجيًا عبر الخبرة والتجربة. فكل موقف جديد يُعيد تشكيل بنيته المعرفية من خلال عمليتي الاستيعاب والمواءمة، حتى يصل إلى حالة من التوازن الفكري والنفسي.
وهذا ما يحدث في الحياة الواقعية؛ فالإنسان لا يصبح أكثر حكمة بمجرد مرور الزمن، بل بما يتعلّمه من تجاربه، وبقدرته على مراجعة أفكاره، وتصحيح مساره، وتحويل الألم إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والتحديات إلى فرص للنمو.
وحين نرى شخصًا أصبح أكثر هدوءًا، وأقلّ اندفاعًا، وأكثر انتقائية في علاقاته، فلا ينبغي أن نفسّر ذلك على أنه برود أو انعزال، بل قد يكون دليلًا على نضجٍ عميق. فهو لم ينسحب من الحياة، وإنما تعلّم كيف يحمي سلامه الداخلي، ولم يتخلّ عن الآخرين، وإنما توقّف عن إهمال نفسه.
إن أجمل ما تمنحه لنا الحياة ليس كثرة السنوات، بل جودة الدروس التي نحملها منها. فكل تجربة تُضيف إلى وعينا لبنة جديدة، وكل محنة قد تكون بداية لمنحة، وكل نهاية قد تفتح بابًا لبداية أكثر إشراقًا.
وفي النهاية، يبقى الإنسان تلميذًا في مدرسة الحياة، يتعلّم ما دام حيًا، وينضج ما دام يتأمل، ويزداد قربًا من ذاته وربه كلما أحسن قراءة دروس الأيام.
فمرحلة اللاعودة ليست نهاية الرحلة، بل بداية إنسانٍ أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر إيمانًا بأن الله لا يقدّر للعبد تجربةً إلا وفيها خيرٌ يعلمه أو حكمةٌ يهديه إليها.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية 216].
فكم من تجربةٍ آلمتنا، ثم اكتشفنا بعد حين أنها كانت المنعطف الذي قادنا إلى أفضل نسخةٍ من أنفسنا.



(
(




