|  آخر تحديث أكتوبر 5, 2026 , 16:24 م

دبي بريشة الفنان التشكيلي وليد الشامي.. حين تتحول المدينة إلى لوحة


دبي بريشة الفنان التشكيلي وليد الشامي.. حين تتحول المدينة إلى لوحة



حوار الاعلامية – بشري بو جمعة 

 

 

 

حين تتحول الألوان إلى ذاكرة وحكاية

في عالم تتجاوز فيه اللوحة حدود الشكل واللون، يبرز الفنان التشكيلي السوري وليد الشامي بتجربة فنية تقوم على البحث عن المعنى خلف التفاصيل، وتحويل الإحساس والفكرة إلى مساحة بصرية نابضة بالحياة.

فالفن بالنسبة إليه ليس مجرد ممارسة جمالية، بل لغة خاصة يترجم من خلالها رؤيته للعالم، وذاكرته، وانفعالاته، وما يختزنه من أسئلة تجاه الإنسان والحياة.

وبين اللون والخط والتكوين، تتشكل ملامح تجربة تحمل خصوصيتها، وتكشف عن فنان يسعى إلى أن تكون أعماله مساحة للتأمل والحوار، وأن تترك لدى المتلقي أثرًا يتجاوز النظرة الأولى.

 

في هذا الحوار، يتحدث الفنان وليد الشامي عن بدايات علاقته بالفن، ورحلته الممتدة لنحو سبعة وستين عامًا، وعلاقته بمدينة حمص، وحضوره الفني في دبي، إلى جانب رؤيته لمستقبل الفن التشكيلي في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 

 

  • بدأت علاقتك بالفن التشكيلي في سن مبكرة. متى أدركت أن الرسم لم يعد مجرد هواية، بل أصبح جزءًا من هويتك ووجودك؟

 

بدأت علاقتي بالفن التشكيلي عندما كنت في الثانية عشرة من عمري. ومنذ ذلك الوقت، كان لدي ميل خاص إلى الألوان، وكانت أفكاري مختلفة عن المألوف، وتتجاوز أحيانًا ما يتوقعه الناس من طفل في مثل سني. وكان البعض يصف بعض أفكاري آنذاك بالجنون، وربما كان ذلك أول مؤشر على الفنان الذي كان يتشكل في داخلي.

 

ومع مرور السنوات، لم يعد الفن بالنسبة إليّ هواية أمارسها في أوقات الفراغ، بل أصبح أسلوب حياة وهوية ووسيلة للتعبير عن ذاتي. أنا لا أمارس الفن فحسب، بل أتنفسه؛ فمن خلاله أعبّر عن مشاعري وأفكاري، وأوصل رسائل قد تعجز الكلمات أحيانًا عن حملها.

عندما تقف أمام لوحة جديدة، ما الذي تبحث عنه أولًا: الجمال، أم الفكرة، أم الشعور، أم الرسالة التي تريد إيصالها؟

أبحث أولًا عن الرسالة.

 

فاللوحة بالنسبة إليّ لا تبدأ من القماش أو الألوان، وإنما تبدأ من الداخل. يجب أن تعيش الفكرة في وجداني أولًا، وأن أشعر بها قبل أن أمسك بالفرشاة.

أنا أرسم اللوحة في قلبي ووجداني قبل أن أرسمها بيدي. أتخيلها بمشاعري، وألوّنها بعواطفي، ثم تأتي الألوان والفرشاة لتمنح ذلك الشعور شكله المرئي.

لذلك أؤمن بأن اللوحة الحقيقية هي التي يعيشها الفنان في داخله قبل أن تولد أمام الجمهور.

  • تنقلت تجربتك بين الوجوه والتجريد والطبيعة والحروف والتراث. كيف تصف أسلوبك الفني اليوم، وما الذي تبحث عنه من خلال هذا التنوع؟

مرّ أسلوبي الفني بمراحل ومحطات متعددة، ولذلك لا أحب أن أحصر تجربتي في قالب واحد. أراه أسلوبًا متجددًا وجريئًا، ومتأثرًا بالإنسان والزمن والتجربة.

 

 

أنا أؤمن بأن الفنان هو انعكاس لعمره وتجاربه ومشاعره، ولذلك لا يمكنني أن أرسم اليوم بالطريقة نفسها التي كنت سأرسم بها وأنا في العشرين من عمري. فالإنسان يتغير وينضج، وتتبدل نظرته إلى الحياة، بينما يبقى جوهره الفني حاضرًا.

 

انتقلت خلال مسيرتي من الفن المندفع والمتحرر إلى رسم الوجوه، ثم إلى الفن التشكيلي والتجريدي والطبيعة والرسم في الشارع والحروف الإسلامية، وصولًا إلى التراث والعمارة والقصور.

لذلك أصف نفسي بالفنان الشامل، لا لأنني أبحث عن التنوع لمجرد التنوع، وإنما لأن تجربتي قادتني إلى محطات مختلفة، تركت كل واحدة منها أثرًا في تجربتي وبصمتي الفنية.

هل تولد فكرة اللوحة من موقف عابر، أم من تجربة إنسانية عميقة تظل حاضرة في داخلك حتى تتحول إلى عمل فني؟

قد تولد الفكرة من موقف بسيط وعابر، وقد تنبع من تجربة إنسانية عميقة، لكن الأهم بالنسبة إليّ هو أن تلامسني تلك اللحظة أو التجربة.

إذا لم أعش اللوحة، فلن تستطيع اللوحة أن تعيش في داخلي.

قد يكون الموقف عاديًا بالنسبة إلى الآخرين، لكنه يترك أثرًا عميقًا في نفسي. ومع مرور الوقت، يكبر هذا الأثر في داخلي حتى يتحول إلى صورة أو إحساس أو فكرة، ثم يولد في النهاية على هيئة لوحة.

أنا لا أرسم ما أراه فقط، وإنما أرسم ما أشعر به تجاه ما أراه.

 

  • حمص حاضرة بقوة في تجربتك الفنية، كما حضرت دبي أيضًا في لوحاتك. كيف أثّر المكان والذاكرة والتراث في تكوينك التشكيلي؟

 

المكان بالنسبة إليّ ليس مجرد مصدر للإلهام، بل جزء من الهوية والذاكرة.

أنا ابن حمص، وحملت منذ سنوات طويلة مسؤولية توثيق مدينتي ورسمها وحفظ تفاصيلها قبل أن يغيّر الزمن ملامحها. حمص القديمة تحديدًا تسكنني؛ أحياؤها وأزقتها وأبوابها وبيوتها وتفاصيلها الصغيرة التي قد تبدو عادية للآخرين، أراها أنا ذاكرة كاملة لمدينة عريقة.

 

 

وخلال سنوات الحرب السورية، كنت حريصًا على توثيق الأبنية والأماكن قبل أن تتعرض للدمار، لأنني لم أكن أشعر أنني أرسم حجرًا أو جدارًا، وإنما أوثق جزءًا من ذاكرة حمص وتاريخها.

أنا أعشق حمص، وحمص هي همّي واهتمامي. وأتمنى أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه حمص مركزًا للفن التشكيلي في سوريا والوطن العربي.

ومن هذا الارتباط أيضًا يأتي اعتزازي بامتلاك صالة الشامي في حمص، وهي من أقدم صالات عرض اللوحات في المدينة. بالنسبة إليّ، ليست الصالة مجرد مكان لعرض الأعمال، وإنما جزء من علاقتي الطويلة بالفن وبحمص.

وفي المقابل، تركت دبي أثرًا مهمًا في تجربتي أيضًا. فقد سحرتني المدينة بجمالها وتطورها، لكن ما جذبني إليها لم يكن عمرانها الحديث وحده، بل تراثها وحضارتها وذاكرتها القديمة.

لذلك رسمت منطقة الخور في صورتها القديمة، ووثقت من خلال لوحاتي جوانب من تراث دبي، لأنني أؤمن بأن المدينة لا تُختصر في مبانيها الحديثة، وإنما في ذاكرتها أيضًا.

 

 

هل حدث أن بدأت لوحة بفكرة محددة، ثم قادتك مشاعرك والألوان إلى نتيجة مختلفة تمامًا؟

 

نعم، وهذا يحدث أحيانًا، لأن المشاعر قد تكون أقوى من الفكرة التي يدخل بها الفنان إلى اللوحة.

 

ومن أصعب التجارب التي عشتها كانت عندما رسمت ابني الشهيد.

بدأت اللوحة وأنا أريد أن أرسمه كما كان في العمر الذي رحل فيه، لكن مشاعري قادتني إلى مكان آخر. تخيلته أمامي وقد شاخ، وكأن السنوات التي حُرم منها قد مرت على ملامحه.

تغيرت بعض تفاصيل وجهه في اللوحة، ليس لأنني خططت لذلك، وإنما لأن قلبي تخيله بهذه الصورة.

كانت من أصعب اللوحات التي رسمتها في حياتي. لم أرسمها بالألوان وحدها، بل رسمتها بالدموع التي امتزجت بالألوان.

 

 

ما طبيعة العلاقة التي تبحث عنها بين اللوحة والمتلقي؟ وهل تحب أن يفهم الجمهور الرسالة التي قصدتها، أم تترك له حرية التأويل؟

 

أؤمن بأن العلاقة الحقيقية بين الفنان والمتلقي يجب أن تبدأ من اللوحة نفسها.

الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتحدث كثيرًا عن عمله، لأن اللوحة يجب أن تتحدث عنه. ولا أؤمن بأن على الفنان أن يشرح للناس ماذا يجب أن يروا في عمله؛ فلكل إنسان ذاكرته وتجربته ومشاعره، ولذلك قد يرى المتلقي في اللوحة شيئًا مختلفًا تمامًا عما رأيته أنا.

وهذا، في رأيي، أحد أجمل جوانب الفن.

أقمت معارض في سوريا ودبي، وفي بعض الأحيان لم أكن موجودًا فيها، بل كنت أتعمد عدم الحضور. كنت أسأل نفسي: لماذا أحضر لأشرح اللوحة بالكلمات؟ إذا كنت سأشرحها بالكلام، فربما كان الأجدر بي أن أكتب ديوان شعر.

أنا أريد للوحة أن تقول ما عجزت أنا عن قوله.

 

 

  • في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، هل ترى أن هذه التحولات تمثل تهديدًا للفن التشكيلي، أم أنها تفتح أمام الفنان آفاقًا جديدة؟

 

التكنولوجيا تتطور، والذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم إنتاج صور مبهرة، لكنني أؤمن بأن مخيلة الإنسان وتجربته وذاكرته ومشاعره لا يمكن اختزالها في تقنية.

نحن في النهاية خلق الله، والفن الحقيقي ينبع من تجربة إنسانية لا يمكن فصلها عن صاحبها.

قد يتغير جمهور الفن، وقد يتراجع اهتمام بعض الناس بالفن الحقيقي أمام سيل الصور والمحتوى الرقمي، لكن تراجع الاهتمام بشيء لا يعني فقدان قيمته.

بل ربما يصبح الفن الحقيقي أكثر قيمة كلما أصبح أكثر ندرة.

الألماس، مثلًا، غالٍ لأنه نادر. وأعتقد أن الفن الصادق سيكون كذلك: قد يصبح أكثر ندرة، لكنه لن يفقد قيمته، لأن الإنسان سيظل بحاجة إلى عمل يحمل روح إنسان وتجربته وصدقه.

 

 

من بين أعمالك الكثيرة، ما اللوحة الأقرب إلى قلبك؟ وهل هناك عمل تعتبره نقطة تحول في مسيرتك الفنية؟

 

 

أقرب اللوحات إلى قلبي هي لوحة ابني الشهيد، وكذلك جميع اللوحات التي رسمت فيها حمص القديمة.

أما عن نقطة التحول، فلا أستطيع أن أحدد لوحة واحدة وأقول إنها كانت نقطة التحول في مسيرتي، لأن تجربتي تشكلت عبر محطات متتالية.

بدأت بالفن المندفع والمتحرر، ثم انتقلت إلى رسم الوجوه، والفن التشكيلي والتجريدي، والطبيعة، والرسم في الشارع، ثم الحروف الإسلامية والتراث.

 

كل مرحلة كانت امتدادًا لما قبلها، وكل لوحة تركت شيئًا منها في اللوحة التي جاءت بعدها.

وبعد مسيرة امتدت سبعة وستين عامًا في الرسم، لا أرى تجربتي خطًا مستقيمًا، وإنما رحلة طويلة من البحث والتجريب والتحول. لكن هناك شيئًا واحدًا ظل ثابتًا فيها جميعًا: أنني كنت دائمًا أرسم ما أشعر به.

 

 

  • بعد سبعة وستين عامًا من الرسم، ما الحلم الذي ما زلت تنتظر أن يتحول من فكرة في داخلك إلى واقع يراه الجمهور؟

 

 

حلمي اليوم بسيط، لكنه بالنسبة إليّ كبير جدًا: أن تصل لوحاتي إلى الجمهور.

الكثير من أعمالي موجود اليوم بين جدران المنزل، ليس لأنني توقفت عن الرسم، وإنما لأن إقامة المعارض أصبحت أكثر صعوبة وتكلفة، وأصبح من الصعب أحيانًا أن يجد الفنان المساحة التي تليق بأعماله.

أحلم بأن يأتي اليوم الذي أفتح فيه هذه الجدران أمام الناس، وأن يرى الجمهور أعمالًا عشت معها سنوات طويلة.

 

وأحلم بشكل خاص بأن أعرض تجربتي في توثيق حمص القديمة وتراثها، لأنني لا أريد لهذه اللوحات أن تبقى مجرد أعمال فنية خاصة بي، بل أريدها أن تكون ذاكرة مفتوحة للأجيال القادمة.

وبعد سبعة وستين عامًا من الرسم، ما زلت أشعر أن لدي الكثير لأقوله.

وربما أجمل ما في الفنان أنه لا يصل إلى النهاية؛ فكلما انتهت لوحة، بدأت في داخله لوحة أخرى.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com