بقلم: ميساء عواد
درج في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح الشغف مقرونا بكلمة فقدان ” فقدان الشغف ” ،فعندما يرغب المرء في التعبير عن فقدانه الرغبة بشيء معين، مباشرة عبارة فقدت الشغف تطرق أسماعنا مصحوبة بنغمه حزينة او كئيبة.
لكن ما حقيقة فقدان الشغف ؟ هل هو رد فعل لموقف معين قد مررنا به أم هو مجرد حالة شعورية نمر بها بين الحين والآخر عندما تتضارب مشاعرنا وتزدحم افكارنا ونفقد سيطرتنا على مجرى الأمور في حياتنا؟
ان الشغف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بذاتنا الداخلية، فكلما اتصلنا أكثر بذواتنا ، كلما قوي اتصالنا ووضح شغفنا، وأصبحنا أكثر اتساقاً مع ما نريد أن نفعل ،وهو ما يطلق عليه الشغف، أي تلك الرغبة القوية والملحة في ممارسة فعلٍ معينٍ بكل ما فينا من حب وطاقة.
ومن هنا نلمس الحقيقة الواعية في ان الشغف متصل بشكل مباشر مع حبنا لأنفسنا ،وتقديرنا لذواتنا ،فإن صلحت علاقتنا بأنفسنا وتقبلنا ذاتنا واحببناها بكل عيوبها وشوائبها ومميزاتها، كلما ارتفع لدينا احساس الشغف تجاه الاشياء او الافعال او الاشخاص.
أما كيف ومتى نفقد شغفنا؟ فيكون في الوقت الذي نفقد فيه الاتصال بأرواحنا وننسلخ عن ذواتنا ونكره أنفسنا، هنا يحدث فقدان الشغف، وينقطع الحبل الوثيق بين عالمنا الداخلي والعالم الخارجي، ونفقد الرغبة في مواصلة ما كنا نفعله ونهجر ما نحب.
فإحساسنا بشدة الشغف مقرون بإحساسنا بحب الذات، فان كرهنا انفسنا لأي سبب كان نفقد ذلك الشغف لأي شيء كان.
بعد ذلك نصبح عاجزين عن فهم ما حدث لنا وكيف فقدنا تلك الرغبة الجامحة في الحياة ،وكيف أصبحنا مكبلين غير قادرين على ممارسة أبسط الأفعال التي كنا نمارسها برغبة قوية وحب، ونقع فريسةً لمصطلح فقدان الشغف ولا نعرف لماذا .
ثم ندخل دون وعي في الدائرة المغلقة، لوم ،كراهية الذات، رفض، عجز، وعدم تقبل، ثم فقدان الشغف، وتدور الدائرة .
بعد ذلك نبدأ بخوض رحلة البحث عن الشغف الضائع، وكأنه هو المشكلة الرئيسية ، نركز على الخارج وننسى الداخل، وفي خضم رحلة البحث تلك لا ننسى جلد أنفسنا ولومها ونزداد كرهاً لأرواحنا لأننا فقدنا الشغف ولم نجده بعد، ويحدث الصراع داخلنا وتعلو اصوات التانيب وربما نلعننا ونشتمنا ،و تزداد الفجوة اتساعاً بيننا وبيننا، نتعارك ونتخاصم ويصبح صوت الضجيج داخلنا أعلى من أن يحتمل.
نقف ونتساءل كيف أصبح البحث عن شغفنا نقمة علينا حتى كرهنا أنفسنا.
و ستظل الدائرة مغلقة والأرواح معلقة الى أن نعي ان شغفنا رحل عنا عندما هجرنا وكرهنا ذواتنا ،وما ان نعود ونتقبل كل ما فينا ونتعافى من اي صدمات او مواقف زعزعت علاقتنا وحبنا لأنفسنا، حتى يعود ذلك الشغف أقوى وأعمق وأمتن من ذي قبل، فقط عندما نحبنا دون شروط أو أحكام .
فالشغف هو ذلك الشعور العميق القادم من أعماقنا بالحب و الرغبة الشديدة ، هو ذلك الضوء الداخلي الذي ينير طرقاتنا و يدفعنا نحو الافضل دون تعب او ضجر .
هو الرغبة في البقاء مع ما ترغب الى الأبد ، هو السحر الخفي الذي يبقينا على قيد الحب و الأمل ، فالشغف هو حبنا لنحن .
والشغف كما ورد في معجم المعاني الجامع ، شغف به: أي أحبه ، و أولع به ، لذا إذا أردنا أن نبقي شغفنا نابضاً بالحياة ،لا بد أن نولع بأنفسنا أولاً ، فلن تجد يد تمتد من البعيد لتنير شعلة شغفك ،فقط روحك هي القادرة .



(
(






