|  آخر تحديث سبتمبر 16, 2019 , 17:17 م

تَضاد الإنسانية .. تجسيد عُرف


تَضاد الإنسانية .. تجسيد عُرف



 

الحق يحتاج لرجلين: رجلٌ ينطق به ورجلٌ يفهمه”. قالها جبران خليل جبران. فإذا انعدم الفهم وظل النطق ما فاد ولا أثمر، وإن فُقِد النطق وبقي الفهم لعل الناتج هو مجرد تخبُّطٍ في جدران التيه والاحتمالات والتوقعات، والاعتقاد الجازم والتحيز، والإيمان بمعتقداتٍ تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب، وتندرج تحت معايير الصدفة البحتة.

 

 

إن الفهم الشخصي للأحداث والأفعال الانسانية والتفسير الذاتي، هو بعضٌ من أساليب الإدراك العقيم، حيث لا يستند لمصدر معلوم، أو خبرة إنسانية، أو يقين أو تجربة أو دراية بمحض الصدفة، أو نتاج معلومة عابرة، يفتح المجال للتفكير الواسع المفتقر للثوابت والصحة، ويصبح بعيداً كل البعد عن القدرة على استيعاب ما يستقبله العقل من أفكار ومعلومات ومعارف خارجية، والعادة التي بتكرارها تجسد المفاهيم في الذاكرة لن تصبح ناضجة حيوية، بل سيكسوها العجز وتمتثل لقوانين الحياة الثابتة وتصيبها الشيخوخة بعد زمن!، فالعقل يحتاج أن يتغذى على محسنات ومغذيات تضمن بقاءه على قيد الحياة، ليعمل وفق منطق الحياة ورفاهية الفكر، كما الجسد الذي يحتاج للطاقة ليستمر بتأدية مهامه الطبيعية.

 

 

ميزان العدل، إن اجتمع مع الأفضلية في الحكم، فَسَدَ برهانُهُ ودليله ومنطقه الحازم والفاصل بين الأمور، ولمّا تم الفُصل ما بين الفعلين، معطٍ ومستقبل، لربما كان ذلك لإحداث الاتزان النفسي والذاتي، وتوازن الأسس التي يُبنى عليها المنطق في الحياة، وكما للفهم من أهمية بالغة، كان للنطق حاجته وأسسه ومعاييره الخاصة، فليس كل ذي معرفة بالحق ناطق بها، وليس كل ناطق على حق، وما بين هذا وذاك خط فاصل، تكمن أهميته من النتائج القائمة على إثره.

 

 

يقول الأديب المصري يوسف السباعي: “الحق مزعج للذين اعتادوا ترويج الباطل حتى صدقوه”، هي عادة إذاً، نتيجة لتكرارها المستمر في الذاكرة أضحت واقعاً وآمن أهل الباطل أنها حق، فكيف هو الحال وما هي الآلية لانتشال هذا الكم الهائل من مروّجي الباطل من سباتهم؟، وهل بعد الانتشال وسيلة ما لإكسابهم مهارة تكرار عادة الحق بديلاً عن الباطل؟، وهل تستطيع العقول المؤمنة بالباطل والتي تعايشت معه دهوراً، أن تسمح لمدخلاتها العقلية بأن تستقبل عُرفاً مغايراً لما اعتادت عليه؟، وهل تكرار الحق للعقول الجامدة كفيل بأن يزيح ويزيل العادة المترسخة؟، وماذا إن أصبحت العادة ثقافة؟، وإن اكتسبت الحضارة معاييرها من تلك الثقافة!، أي مأزق هذا الذي يحول دون القدرة على تنشئة جيل وأمم بثقافة تغاير ما اعتادت عليه؟.

 

تَفَكّر.. يقول الفيلسوف علي عزت بيغوفيتش: “الثقافة هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة هي التغيير المستمر للعالم، وهذا هو تضاد الإنسانية والشيئية”. هُنا تكمن الآلية.

 

 

بقلم: فريال عبدالله – (الإمارات)


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com