|  آخر تحديث سبتمبر 16, 2026 , 14:47 م

كلنا كالقمر… لنا جانبٌ لا يراه أحد


كلنا كالقمر… لنا جانبٌ لا يراه أحد



 

 

يُقال إننا جميعًا كالقمر: نُدير للعالم وجهًا مضيئًا، ونُبقي جانبًا في الظل لا تطاله العيون. وأجمل ما في هذه الصورة أنها لا تُطيل وقوفنا عند الآخرين، بل تدفعنا بلطف نحو أنفسنا نحو تلك الغرفة الداخلية التي نتردد أحيانًا في إضاءة مصباحها، ولو كنا وحدنا فيها.

لكلٍّ منا نسخةٌ يرتضيها للعرض: هادئة، متزنة، كريمة، تعرف متى تصمت ومتى تتكلم. وهذه الصورة ليست كذبًا، لكنها ليست كل الحقيقة أيضًا. ففي مكانٍ أعمق يسكن خوفٌ لا نُقرّ به، وغضبٌ نُحسن كتمانه، وغيرةٌ نُهذّبها أمام الناس، ثم تعود إلينا كاملةً حين نخلو بأنفسنا. وهذا لا يجعلنا أشرارًا إنما يجعلنا بشرًا لا تكفيهم صورة واحدة.

 

فالإنسان ليس صفحةً بيضاء دائمًا، وليس ظلامًا يتوارى خلف ابتسامة. هو نسيجٌ من الضوء والظل، وربما كانت الحكمة الأولى أن نعترف بهذا التداخل فما نرفض رؤيته في أنفسنا لا يختفي، بل يتعلّم فقط كيف يتنكّر.

كم مرةٍ ظننا أننا لم نُسئ إلى أحد، ثم اكتشفنا متأخرين أن كلماتنا تركت جرحًا لم نقصده؟ وكم طالبنا بالعدل لأنفسنا، ثم ضاق صدرنا حين جاء العدل في غير صفّنا؟ نحن، في كثير من الأحيان، أمهر في تبرير أنفسنا منّا في محاسبتها.

وهنا تحديدًا تبدأ المعرفة الحقيقية بالذات: أن نقف أمام مرآتنا من دون محامٍ يدافع، ولا خصمٍ يطالب بالإدانة. أن نسأل بصدقٍ لا يعرف التجميل: هل كان صمتي حكمة، أم جبنًا ارتدى ثوب الوقار؟ وهل كان غضبي دفاعًا عن حق، أم جرحًا في كبريائي يبحث عن اسمٍ أنبل؟

 

والقانون، في صرامته، يعلّمنا فرقًا دقيقًا: ليس كل ما نشعر به إثمًا، وليس كل خاطرةٍ تعبر القلب فعلًا يستحق الحساب. لكن مسؤوليتنا تبدأ حين نسمح لما بداخلنا أن يتحول إلى فعلٍ يمس كرامة إنسانٍ آخر أو حقه. فالغضب إحساس، أما الاعتداء فقرار. والغيرة قد تمرّ بالقلب عابرة، أما الإيذاء فاختيار تتحمل النفس مسؤوليته.

ولهذا تتجاور محكمتان لا تُغني إحداهما عن الأخرى: محكمة القانون، ومحكمة الضمير.

قد يخرج المرء من الأولى بريئًا، ثم يعود إلى بيته يحمل في صدره حكمًا لا يُستأنف. وقد يخسر آخر دعوى، لكنه يحتفظ بما هو أثمن: أنه لم يكذب، ولم يجعل من خصومته ذريعةً لإسقاط ما تبقى من أخلاقه.

الفضيلة إذن، ليست أن نعيش بلا ظل فهذا لا يشبه طبيعتنا. الفضيلة أن نعرف أين يبدأ ظلّنا، وألا نسمح له بأن يتمدد فوق حقوق من حولنا.

 

وربما كان أجمل ما نهديه لأنفسنا أن نتوقف، ولو قليلًا، عن مطاردة صورة الإنسان الكامل. فالكمال الذي نعرضه للناس قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى قفصٍ صنعناه بأيدينا. أما الاعتراف الهادئ بأن فينا ما يحتاج إلى تهذيب، فهو الباب الحقيقي للنمو.

 

لا نرتقي حين نُقنع الآخرين بأننا أفضل مما نحن عليه، بل حين نملك شجاعة النظر، دون خوف، إلى ما يحتاج فينا إلى تهذيب.

فاكتشاف الذات ليس أن نبحث عن إنسانٍ آخر يسكن داخلنا، بل أن نلتقي، وجهًا لوجه، بمن نحن عليه فعلًا بكل تناقضاتنا، وضعفنا، ونقاط قوتنا، ثم نختار بوعي: أيّ هذه الجوانب يستحق أن يكبر، وأيّها ينبغي أن نتركه يذبل بهدوء.

 

وكما لا يفقد القمر بهاءه لأن نصفه في الظل، لا يفقد الإنسان قيمته لأنه يحمل في داخله ما يخجل من مواجهته.

ولعل الجمال الحقيقي يكمن في تلك المسافة الرفيعة بين ما نشعر به وما نختار أن نفعله بين نزوةٍ تعبر القلب وقرارٍ يخرج إلى العالم بين لحظة غضب، ويدٍ تقرر، رغم كل شيء، ألا تؤذي.

 

في النهاية، لسنا بحاجة إلى أناسٍ بلا ظلال، ولا إلى الخوف من ظلالنا نحن. يكفي أن نعرفها، وأن نُضيء عليها بصدقٍ لا يواربها، وأن نظل نراقبها كلما همّت بالنمو.

 

فكلنا كالقمر… فينا جانبٌ لا يراه أحد.

لكن أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا، هو أن نكون نحن من يراه. 

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com