بقلم: مريم القيواني
كاتبة صحفية وإعلامية | ناشطة مجتمعية
باحثة في السيكولوجية والسلوكيات البشرية
ضغطة زر قد تصنع شهرة في دقائق، لكنها قد تصنع أيضاً أزمة لا تنتهي بانتهاء الفيديو. وبين سباق المشاهدات والرغبة في الانتشار، يبقى السؤال الأهم: إلى أي حد يمكن أن نذهب من أجل الشهرة؟
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه، بل أصبحت قوة مؤثرة في صناعة الرأي والسلوك والشهرة.
وفي مقدمتها «التيك توك»، الذي يفرض اليوم نقاشاً مشروعاً حول المحتوى وحدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
فالمنصة ليست المشكلة، والشهرة ليست خطأ.
فقد فتحت المنصات الرقمية أبواباً واسعة للمبدعين وأصحاب المواهب ورواد الأعمال لنشر المعرفة وتحقيق النجاح.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المشاهدات إلى غاية، ويصبح جذب الانتباه مبرراً لتجاوز الحدود.
حين تصبح الإثارة أهم من القيمة، والإعجابات أهم من السمعة، تبدأ المشكلة.
ليس كل ما ينتشر نجاحاً، وليس كل ما يثير الجدل يستحق التقليد. فبعض المحتوى يُبنى على الصدمة والاستفزاز، بينما قد ينسى صاحبه أن الفضاء الرقمي ليس مساحة بلا مسؤولية.
وخلف كل منشور أثر.
وخلف كل كلمة مسؤولية.
وخلف كل بث مباشر نتائج قد تتجاوز لحظة الشهرة.
وفي دولة الإمارات، يجب أن يدرك مستخدمو المنصات الرقمية أن حرية الاستخدام لا تعني حرية الإساءة، وأن السعي إلى الشهرة لا يعفي أحداً من
احترام القوانين والقيم وحقوق الآخرين. فقد يقود سوء استخدام البرامج والمنصات إلى مساءلة قانونية عندما يتجاوز المستخدم الحدود التي رسمها القانون.
لكن من الإنصاف أيضاً ألا نضع التكنولوجيا في قفص الاتهام. فالمنصة أداة، ويمكن أن تكون مساحة للمعرفة والإبداع كما يمكن إساءة استخدامها. والمشكلة ليست دائماً في التقنية، بل في الوعي الذي يديرها.
لذلك، فإن حماية المجتمع لا تكون بالخوف من التطور أو رفض المنصات، بل بالتربية والوعي والثقافة الرقمية، وتعليم الأجيال أن الحرية مسؤولية، وأن الشهرة ليست قيمة بحد ذاتها.
والجمهور أيضاً جزء من المعادلة؛ فكل مشاهدة ومشاركة وتعليق قد تمنح المحتوى المثير للجدل مزيداً من الانتشار.
فليس كل ما يُعرض يستحق المشاهدة، وليس كل «ترند» يستحق المشاركة.
ماذا يمكن أن نفعل؟
قبل أن تشاهد أو تشارك أو تعلّق، اسأل نفسك: هل أضيف قيمة، أم أساهم في نشر محتوى يضر بالآخرين أو بالمجتمع؟
لا تمنح المحتوى المسيء أو المستفز انتشاراً إضافياً بدافع الفضول أو الغضب.
لا تقلّد كل ما ينتشر، ولا تجعل ضغط الجماعة أو الرغبة في المشاهدات تدفعك إلى تصرف قد تندم عليه.
وإن كنت صانع محتوى، فتذكر أن لديك تأثيراً، وأن عدد المتابعين ليس مجرد رقم، بل مسؤولية تجاه جمهور قد يقلد ما تفعله.
توقف قبل النشر.
فكر قبل المشاركة.
تحقق قبل التعليق.
واحترم القانون قبل أن تبحث عن الانتشار.
في النهاية، لا تقاس قيمة الإنسان بعدد متابعيه، ولا بعدد المشاهدات التي يحققها، بل بما يتركه من أثر، وبقدرته على النجاح دون أن يخسر احترامه لنفسه أو لمجتمعه.
فالشهرة قد تأتي سريعاً، لكن السمعة تُبنى ببطء… وقد تضيع في لحظة.



(
(






