تعلّمنا من الحياة أن الشتاء، مهما قسا، لا يملك أن يبقى إلى الأبد وأن وراء الغيوم شمسًا، وخلف البرد دفئًا، وأن الأرض التي تبدو يابسة تحتفظ في أعماقها بسرّ الربيع.
لكن الإنسان ليس دائمًا كالأرض.
فقد ينتهي شتاءٌ كامل في حياة إنسان، وتأتي اللحظة التي يُفترض أن يفتح فيها نافذته على الحياة من جديد، فإذا بالبرد ما زال في كل شيء حوله. الأبواب التي أُغلقت لا تُفتح بسهولة، والوجوه التي عرفته بالأمس لا تنظر إليه بعين اليوم، واسمه الذي اقترنت به واقعة قديمة يسبقه أحيانًا إلى المكان قبل أن يصل هو.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة.
إنسان أخطأ، وثبت خطؤه، ونال جزاءه، ودفع من عمره وراحته ومستقبله ثمنًا لما فعل. ثم انتهت السنوات التي حُكم عليه بها، وخرج إلى المجتمع يحمل معه ما تبقى من عمره، راغبًا في أن يعيش ما بقي منه بصورة أخرى.
لكن ماذا لو اكتشف أن العقوبة التي عرفها القانون محددة بسنوات، بينما عقوبة المجتمع بلا تقويم؟
ماذا لو كان قد قضى شتاءه في المكان الذي قُدّر له أن يقضيه فيه، ثم خرج، فإذا بالشتاء قد خرج معه؟
لا نتحدث هنا عن تبرئة الخطأ، ولا عن نسيان حق من وقع عليه الضرر، ولا عن مطالبة أحد بأن يمنح الثقة بلا حساب. فالعدل لا يقوم على عاطفة عابرة، والضحايا لهم حق لا يجوز أن يذوب في خطاب التسامح.
لكن ثمة مسافة دقيقة بين أن نحاسب الإنسان على ما فعل، وأن نختصر الإنسان فيما فعل.
وهذه المسافة هي التي تجعل المسألة أكبر من عقوبة وأوسع من ملف، قد يخطئ الإنسان في لحظة، ثم يقضي سنوات وهو يحاول أن يصبح شخصًا آخر غير أن المجتمع قد يظل يقرأه من الصفحة نفسها.
ولعل المفارقة المؤلمة أن القانون يستطيع، في بعض النظم، أن يحدد مدة الجزاء، بينما لا يستطيع بسهولة أن يحدد مدة الوصمة في النفوس.
تنتهي السنوات، ويبقى الاسم… ينتهي الحكم، وتبقى النظرة.
يخرج الإنسان من باب المؤسسة العقابية، لكنه قد يجد أبوابًا أخرى كثيرة موصدة أمامه، وكأن عليه أن يثبت كل صباح أنه لم يعد ذلك الإنسان الذي كان بالأمس.
وهنا لا يعود السؤال: هل أخطأ؟ فقد عُرف الجواب، وصدر الحكم، ودُفع الثمن.
بل يبقى السؤال متى ينتهي حق الماضي في أن يلاحقه؟
ربما كانت هذه من المسائل التي لا تزال تستدعي من التشريع والعدالة والمجتمع معًا تأمّلًا أعمق. فالعقوبة، مهما بدت ضرورية، لا ينبغي أن تُقفل باب الإصلاح والعودة والبدايات الجديدة. والعدالة التي تصون المجتمع من الجريمة تحتاج كذلك إلى نافذة يعود منها الإنسان إلى نفسه وإلى الناس.
وإلا فما معنى أن نؤمن بأن الإنسان قادر على التغيّر، ثم نُلزمه بأن يحمل إلى آخر عمره صورةَ من كان قبل أن يتغيّر؟
نحن لا نبحث عن ربيع مجاني، ولا عن فرصة تُمنح بلا مسؤولية.
نبحث عن ربيع مستحق؛ ربيع يأتي بعد شتاء عُرف سببه، ودُفع ثمنه، وأُغلقت صفحته وفق ما قرره القانون.
ولعل أجمل ما في العدالة أنها لا تنظر فقط إلى ما يستحقه الإنسان بسبب فعله، وإنما ينبغي أن تظل قادرة على رؤية ما يمكن أن يصير إليه بعد أن أدى ما عليه.
فالإنسان الذي أخطأ ليس وحده من يحتاج إلى العدالة والمجتمع نفسه يحتاج إلى عدالة لا تكتفي بحماية الماضي، وإنما تفكر في صورة المستقبل.
وربما لهذا يظل بعض الناس، بعد أن تنتهي أحكام الأرض، واقفين عند باب أوسع من أبوابها، ينتظرون عدالة أخرى لا تُقاس بالسنوات، ولا تُغلق ملفاتها بالأختام.
عدالة السماء.
تلك التي نؤمن أنها تعرف الإنسان قبل خطئه، وأثناءه، وبعده… تعرف ضعفه كما تعرف مسؤوليته، وتعرف ما لا تستطيع المحاكم أن تعرفه من خفايا النفس، وصدق الندم، وحقيقة التحول.
ولست أدري إن كان أقسى ما في بعض الأخطاء أن الإنسان يدفع ثمنها مرة، أم أن يبقى مطالبًا بدفعها كلما حاول أن يبدأ من جديد.
لكنني أعرف أن للشتاء في الطبيعة موعدًا مع الربيع. أما في حياة الإنسان، فقد يحتاج الربيع إلى قلبٍ يؤمن بأن من دفع ثمن خطئه يستحق أن يُرى بما أصبح عليه، لا بما كان عليه.
وهنا، ربما، تبدأ عدالة أخرى؛ ليست التي تنسى ما حدث، بل التي تعلّمنا أن نحفظ الخطأ في الذاكرة، ونحفظ الإنسان من أن يُختزل فيه.
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(





