ثمة كلمات لا تهزمها السنوات، ولا تفقد بريقها مهما تبدلت الحياة من حولها لأنها لم تخاطب زماناً بعينه، وإنما خاطبت الإنسان في جوهره، حيث تتكرر نقاط ضعفه، وتتجدد حاجاته، وتظل أسئلته الكبرى كما هي، وإن تغيرت وجوه الحياة وأدواتها.
ومن بين ما يستوقفني في هذا السياق، وصايا لقمان الحكيم لابنه؛ تجربة إنسانية متكاملة لم تنشغل بتعليم الفتى كيف يجمع المال أو يبلغ المكانة، بل كيف يعيش دون أن يفقد نفسه في الطريق. ولعلنا اليوم، وسط هذا التسارع المحموم، أحوج ما نكون إلى تلك البصيرة التي تضبط وجهة حياتنا قبل أن نُستهلك فيما حققناه منها.
تفتح الوصايا أبوابها بتثبيت العلاقة مع الخالق، والنهي عن الشرك، في معنى عميق يتجاوز حدود القول: ألا يجعل الإنسان شيئاً من متاع الدنيا أكبر من حجمه. فكم من طامح بدأ رحلته باحثاً عن النجاح فانتهى أسيراً لجمعه، وكم من صاحب نفوذ ظن أن فرض الإرادة يمنحه حق تجاوز حقوق الآخرين! إن الإيمان الحقيقي يهمس في أذن المرء دوماً بأن فوق كل قوة قوة، وأن ما بين يديه ليس سوى أمانة، لا تفويضاً مطلقاً بالتصرف.
ومن عمق السماء تمتد الوصايا لتلتصق بأدق تفاصيل الأرض فالبر بالوالدين ليس مناسبة عابرة لاستحضار الامتنان، ولا واجباً نؤديه على عجل لنبرئ ذممنَا. كم يعيش أبانَا وأمهاتُنا في كنفنا، وتتوفر لهم أسباب الراحة المادية، لكنهم يشعرون بالوحدة القاتلة لأن الحديث معهم بات مؤجلاً، والإنصات إليهم صار عبئاً في زحام لا ينتهي! ما أفقر الهدية الباهظة أمام دقائق من اهتمام صادق، وما أقسى أن نكتشف قيمة اللحظات حين تصبح إعادتها مستحيلة. ومن دقة الوصية أنها قرنت شكر الله بشكر الوالدين؛ فمن تعمى بصيرته عن فضل من أحسنوا إليه في بداية الطريق، يعجز يقيناً عن إدراك فضل الآخرين حين تتسع به الحياة.
وهذا التوازن الروحي ينعكس حتماً على صلة الإنسان بربه فالصلاة ليست طقساً منعزلاً، بل هي المحطة التي تعيد ترتيب ما يختلط علينا في زحام المطالب. وما قيمة التدين إن غاب أثره عن المعاملات؟ لا يستقيم أن نطلب ثقة الناس بينما يفتقر سلوكنا إلى أمانة المعاملة، وعدل الاختلاف، ورحمة القُدرة.
من هنا يتسع الأفق ليشمل المجتمع، فتأتي الوصية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقرونة بالصبر فالإصلاح ليس استعراضاً للصواب ولا توزيعاً للأحكام. كم من نية طيبة أفسدها سوء الأسلوب، وكم من كلمة قاسية أغلقت باباً كان يمكن أن يُفتح بمراجعة هادئة! فقول الحق يحتاج شجاعة، لكنه يحتاج حكمة تحترم كرامة من تخاطبه.
وتحت مظلة هذه الحكمة، تتهاوى أشكال الكبر المتخفية في ثياب المسؤولية والمال واحتكار صواب الرأي. فالتواضع الحق لا يعني قط الانتقاص من النفس، بل رفض الانتقاص من أحد. وهو ذاته ما تنبّه إليه وصايا الاعتدال في الممشى وخفض الصوت؛ فتلك السلوكيات الصغيرة في المجالس، ونقاشاتنا المحتدمة عبر وسائل التواصل، تكشف خبايا النفوس حين تصبح نبرة التعالي بديلاً للحجة، ويصير إحراج الآخر انتصاراً موسوماً بالغرور، ناسين أن طريقة التعبير عن الحق جزءٌ من قيمته، وأن الكلمات الهادئة تبني ما تهدمه الأصوات العالية.
وحين تكتمل هذه الدائرة، نصل إلى المحطة الأهم: ماذا نورث أبناءنا؟ نحن نحرص على تعليمهم وتوفير سبل الراحة، نخشى عليهم من تعثرات الأيام، لكننا نغفل أحياناً عما يتعلّمونه منا خفية. الأبناء لا يرثون كلماتنا، بل يرثون طريقتنا في الحياة؛ يتذكرون جيداً كيف غضبنا، وكيف تعاملنا مع الضعيف، وكيف حفظنا الحقوق حين كانت القدرة بين أيدينا لانتهاكها. إنهم يرثون ضمائرنا لا وصايانا.
وحين نجمع هذه الوصايا مجتمعة، نكتشف أنها تحمي الإنسان من نفسه قبل أن تحميه من العالم؛ فالإيمان يعصمه من عبودية الدنيا، والبر يحفظ فيه وفاء البدايات، والصلاة تمنحه التوازن، والتواضع ينجيه من الغرور.
الحياة تتسارع، والتقنيات تبتكر كل يوم خيارات جديدة لم تكن لأجيالنا السابقة، لكن أدوات العصر مهما بلغت لا تستطيع أن تمنح صاحبها ضميراً حياً، ولا أن تعوضه عن حكمة يفتقدها. ولهذا تظل وصايا لقمان معياراً إنسانياً خالداً، تذكّرنا كلما أوهمنا النجاح المادي بكفايته: ليس المهم كم نملك، ولا إلى أي مكانة نصل، بل ماذا يبقى من إنسانيتنا ونحن في الطريق؟ وكيف يشعر من عاش إلى جوارنا؟
فبعض الإرث لا تحفظه الخزائن، ولا تُقاس قيمته بالحسابات إنه يسكن في ضمير من تربوا على أيدينا، وفي أثرٍ طيب نتركه خلفنا.. وذلك إرثٌ لا تشيخ أيامه أبداً.
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(






