|  آخر تحديث أكتوبر 7, 2026 , 20:55 م

« ما أرحم ألا أحمل الكون على كتفي»


« ما أرحم ألا أحمل الكون على كتفي»



 

 

هناك كلمات نمرّ بها كثيرًا حتى نظن أننا عرفنا معناها، ثم تأتي لحظة واحدة في العمر فتفتح الكلمة أمامنا بابًا لم نكن نراه. ومن هذه الكلمات كلمة القهر.

أعرفها كما يعرفها الإنسان من الحياة: في عينٍ انكسرت ولم تجد من يسمعها، وفي حقٍّ ضاع لأن صاحبه لم يملك القوة لاسترداده، وفي إنسانٍ صمت لا لأنه اقتنع، بل لأنه أُرهق حتى عجز عن الكلام. وقد عرفتُ، في سنوات طويلة قضيتها أمًّا وجدةً ومعلمةً ومحاميةً، بين الناس وفي أروقة المحاكم، أن بعض القهر لا يترك كدمة على الجسد، لكنه يترك في الروح ما يصعب أن يراه أحد. وربما كان أقسى ما فيه أن يأتيك من إنسان مثلك، ملك عليك في لحظة قوةً لم تكن تملكها.

 

لكنني توقفت طويلًا، في الآونة الأخيرة، عند الكلمة نفسها حين وردت في كتاب الله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. شعرت أن ما عرفته طوال عمري يحتاج إلى قراءة جديدة. وسألت نفسي: كيف يكون الله قاهرًا، ونحن الذين نبحث في حياتنا كلها عن الرحمة، واللطف، والستر، والأمان؟

 

ثم بدا لي أن السؤال كان يخلط بين قهرين لا يشبه أحدهما الآخر.

حين نقهر إنسانًا نسلبه شيئًا من اختياره، أو نضعف قدرته، أو نحمّله ما لا يريد، لأننا نملك عليه من القوة ما لا يملك. وقهر البشر كثيرًا ما يكون وجهًا آخر للظلم، ولذلك ارتبطت الكلمة في تجربتنا بالخوف والانكسار والعجز. أما قهر الله، تعالى عن الظلم، فهو سلطان القدرة التي لا يعجزها شيء، والسيادة التي لا ينازعها أحد. وأمامها يكتشف الإنسان أنه ليس مالكًا لهذا الكون، ولا مالكًا كاملًا لنفسه.

 

وهنا يبدأ المعنى الذي أرهقني…

نعيش طويلًا وكأن لنا الكلمة الأخيرة نخطط ونؤجل: غدًا أفعل، وحين أبلغ ذلك العمر أستريح، وحين أملك ذلك الشيء أطمئن. ثم يأتي الموت، لا يستأذن في موعده ولا يسأل عن الأحلام التي لم تكتمل، فيسقط في لحظة واحدة وهم السيطرة.

وليس في القرآن أن الموت «قهر»، لكن حين يجتمع في القلب قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ مع قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، يصير الموت من أصدق المشاهد التي نتعلم منها حدودنا.

 

وليس الموت وحده. قد نريد شيئًا بكل قلوبنا فيُغلق الباب. وقد نخشى أمرًا حتى نظن أن حياتنا ستنتهي به، فيقع، ونكتشف بعد سنوات أننا نجونا بما ظنناه هلاكًا. وقد نظن أن إنسانًا بعينه هو أماننا، ثم يأخذه الغياب.

وهنا فهمتُ لماذا كان وصف الله بالقاهر مخيفًا ومطمئنًا معًا: مخيفًا لمن توهم أن كل شيء يخضع لرغبته، ومطمئنًا للمظلوم الذي عاش عمره يرى قوة الظالم أكبر منه، فيتذكر أن فوق كل قوة قوة، وأن اليد التي تظلم اليوم ستأتي عليها لحظة لا تدفع فيها عن نفسها شيئًا.

 

وهذا المعنى يعيد ترتيب خوفنا. نخاف من بشر لأنهم أقوى منا، وننسى أن قوتهم محدودة وأعمارهم محدودة. وليس معناه أن نستسلم للظلم، فالله لم يجعل سكوت المظلوم عن حقه عبادة. معناه ألا نمنح بشرًا في قلوبنا مكانة أكبر من حقيقتهم فمن ظن أنه يملك مصائر الناس سينتهي إلى أنه لا يملك مصيره.

 

ولهذا صرتُ أخاف القهر البشري أكثر مما كنت أخافه في شبابي، لا لأنني أضعف، بل لأنني عرفت كم يترك إنسان في روح إنسان آخر أثرًا لا تراه المحاكم في ملفاتها. لكنني صرت في الوقت نفسه أقل خوفًا من سلطان البشر؛ فثمة فرق كبير بين أن يقهرك إنسان، وأن تعرف أنه نفسه محكوم بقانون أكبر منه.

وربما كان القهر الإلهي، في أعمق معانيه، لا يقول للإنسان: أنت بلا قيمة، بل يقول له: أنت لست الإله الذي ظننته في لحظة غرورك. وهذه ليست إهانة، بل عودة إلى حجمك الجميل. فما أرحم ألا أحمل الكون على كتفي.

 

ولذلك لم يعد سؤالي الأول: لماذا قهر الله عباده؟ صار أهدأ وأعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يعرف حدوده أخيرًا؟

أظن أنه إما أن ينكسر كِبره، أو يستريح قلبه. وقد يكون الفرق بينهما في الطريقة التي ينظر بها إلى الله: فمن رأى القهر الإلهي بعين الخوف وحده رأى سلطانًا يرهبه، ومن رآه بعين العبودية رأى حقيقة تعيده إلى مكانه، ومن رآه بعين المظلوم وجد فيه وعدًا خفيًا بأن القوة التي أخافته يومًا ليست القوة الأخيرة

 

أما أنا، فما زلت أتعلم هذه الكلمة… كلما ظننت أنني فهمتها أعادتني الحياة إلى أولها. وأحسب أن الإنسان لا يكبر حين يعرف كل الأجوبة، بل حين يقف أمام بعض الكلمات العظيمة بقلب خاشع وعقل يقظ، فلا يتجرأ عليها ولا يهرب منها.

 

ويبقى في داخلي سؤال صغير، لا أريد أن أستعجل الإجابة عنه:

كم من الأشياء التي سمّيناها في حياتنا قهرًا، كانت في حقيقتها تذكيرًا هادئًا بأننا لسنا وحدنا من يكتب الحكاية؟

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com