|  آخر تحديث أغسطس 31, 2026 , 15:03 م

علم الكلام وكلام العلم


علم الكلام وكلام العلم



بقلم: علي دولة

 

 

اعتدنا في المجالس الهادئة، حيث لا يعلو الصوت بقدر ما تتقاطع المعاني، أن الحديث لا يُقاس فقط بما يُقال، بل بما يُفهم منه. فهناك فرق خفي يُستشعر نفسيًا بين من يتكلم ليُسمَع، ومن يتكلم ليُفهَم، وهذا الاستشعار النفسي هو المدخل الحقيقي لما يمكن تسميته بـ”علم الكلام”.

 

ليس علم الكلام مجرد فصاحة لغوية أو قدرة على ترتيب الكلمات والجمل، بل هو بنية أعمق تتداخل فيها عناصر الإدراك الاجتماعي، والوعي النفسي، والقدرة على تقدير نسق الكلمات وسياقها.

وهو علم غير مكتوب في الغالب، لكنه استشعار نفسي حاضر في سلوك من يمتلكه، وغائب بوضوح عند من يفتقر إليه.

ولكي تكتمل الصورة وضوحًا، يظهر “كلام العلم” بوصفه الوجه الآخر للمعرفة. فالعلماء عبر التاريخ لم يكونوا مجرد ناقلين للمعرفة، بل كانوا حريصين على موضعها بقدر حرصهم على مضمونها ورصانتها؛ فالحكمة لديهم كانت دائمًا تتسم بحسن التبليغ، لا بكثرة القول.

 

وقد رُوي عن كثير من العلماء أنهم كانوا يختصرون الجواب إذا استشعروا الإطالة، ويؤجلون الحديث إن أحسّوا أن السامع غير مبالٍ، بل وقد يمتنعون عن الإجابة إذا شعروا أن المقام أو المجلس لا يحتمل السرد والتفصيل. وهنا يكمن الكمال في الإدراك.

وهنا تتجلى مقولة “لكل مقامٍ مقال”، لا بوصفها حكمة لغوية فحسب، بل باعتبارها قاعدة عميقة في التواصل الإنساني. فالمقام هو الذي يمنح الكلام معناه الكامل، ويرسم حدوده، ويضبط أثره.

أما الكلمة نفسها، فقد تكون مقبولة في سياق، وثقيلة في آخر، نافعة في موضع، ومحرجة في غيره.

 

وفي هذا الإطار، يصبح “علم الكلام” هو القدرة على الموازنة بين العلم والمقام، وعلى الإنسان أن يُحسن تقديم الكلام بما يتناسب مع ظرفه ومتلقيه.

أما “كلام العلم”، فقد يتحول أحيانًا إلى استعراض غير مقصود؛ فيُكثر المتحدث من التفاصيل، ويغوص في الجزئيات، ويسترسل في التحليل، دون أن يلحظ أن الحاضرين غير مهيئين لهذا النوع من الخطاب. فقد ينصرف بعضهم ذهنيًا، بينما يشعر آخرون بأنهم وُضعوا في موقع لا يناسبهم.

وقد يُستخدم “كلام العلم” بطريقة تُحمّل الحديث أكثر مما يحتمل، كأن يُطرح تقييم دقيق لأداء جهة أو شخص في سياق لا يسمح بمثل هذا الطرح. وهنا لا تكمن المشكلة في التقييم ذاته، بل في موضعه؛ فالمجالس ليست دائمًا مكانًا للتحليل والتقييم.

 

وكان من سمات العلماء الذين جمعوا بين العلم والحكمة أنهم كانوا يقدّرون المقام قبل المقال؛ فيبسّطون إذا لزم التبسيط، ويُجملون إذا كان التفصيل مُربكًا، ويصمتون إذا كان الصمت أبلغ. فالكلمة ليست مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أداة لبناء الفهم، وهذا البناء لا يتم إلا إذا رُوعي فيه حال المتلقي.

وهذا ما يفتقده “كلام العلم” حين ينفصل عن “علم الكلام”. فالمعرفة حين تُقدَّم دون مراعاة لحال المتلقي قد تتحول من وسيلة للإفادة إلى سبب للإحراج أو النفور. وقد يشعر المتلقي بأنه موضع تقييم، أو أن الحديث موجه إليه، حتى لو لم يُذكر بالاسم. وهنا يفقد الكلام وظيفته الأساسية، وهي التواصل.

أما “علم الكلام”، فهو الذي يعيد التوازن. وهو الذي يجعل من مقولة “لكل مقامٍ مقال” ممارسة يومية، لا مجرد عبارة مأثورة. وهو الذي يدفع المتحدث إلى أن يسأل نفسه: هل هذا هو الوقت المناسب؟ وهل هذه هي الصيغة الأنسب؟ وهل سيُفهم ما أقول كما أقصده؟

 

وبهذا المعنى، لا يكون علم الكلام قيدًا على العلم، بل حارسًا له؛ يحفظ مكانته، ويمنع إساءة استخدامه، ويضمن أن يصل أثره إلى المتلقي بطريقة إيجابية. فالعلم بلا وعي قد يثقل الفهم ويُضعف الإدراك.

وفي النهاية، لا يتعارض العلم مع اللباقة، ولا الصراحة مع الحكمة، لكن الجمع بينهما يحتاج إلى وعي. وبين “كلام العلم” و”علم الكلام”، تقف مقولة “لكل مقامٍ مقال” معيارًا يضبط الكلمة، ويمنحها قيمتها، ويجعل منها وسيلة للتقارب لا سببًا للتباعد.

وهنا يكتمل الوعي الاجتماعي، ويتكامل المجتمع رفعةً وصفاءً وازدهارًا.

مع تحياتي،

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com