بقلم | مريم القيواني, رائدة الأعمال
مستشارة | كاتبه | إعلامية | صحفية
ناشطة مجتمعية قانونية |خبير علم جنائي باحثة في السيكولوجيات و السلوكيات البشرية
الإنسان لا يولد بشخصية مكتملة؛ بل تتشكل ملامحها تدريجيًا من خلال الأسرة، والمجتمع، والتعليم، والعلاقات، والتجارب التي يمر بها. ولهذا فإن البيئة التي يعيش فيها الإنسان ليست مجرد مكان يحيط به، بل قد تصبح جزءًا من طريقة تفكيره وشعوره وتصرفاته.
فالبيئة الآمنة تصنع إنسانًا أكثر اطمئنانًا، والبيئة المضطربة قد تصنع إنسانًا دائم الحذر.
فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحوار والاحترام والتقدير، غالبًا ما يتعلم التعبير عن مشاعره والثقة بنفسه وبالآخرين.
بينما الطفل الذي يعيش وسط العنف، أو الإهمال، أو الانتقاد المستمر، قد يتعلم الخوف أو الانسحاب أو العدوان كوسيلة للدفاع عن نفسه.
ولا يتوقف تأثير البيئة عند مرحلة الطفولة. فحتى الإنسان البالغ قد يتأثر ببيئة العمل، وضغوط الأسرة، والعلاقات الاجتماعية، والوضع الاقتصادي، والشعور بالأمان أو عدمه.
ومع تكرار الضغوط، قد تتغير طريقة تعامله مع الآخرين ومع نفسه.
أما الشخص الذي يعاني أصلًا من اضطراب نفسي أو يمر بمرحلة شديدة من الضغوط، فقد تكون البيئة عاملًا مهمًا في زيادة معاناته أو تخفيفها. البيئة الداعمة لا تعني أنها تعالج المرض النفسي وحدها، لكنها قد تمنح الإنسان مساحة من الأمان تساعده على الاستقرار وطلب المساعدة والاستمرار في العلاج.
وفي المقابل، فإن التنمر والعزلة والإهانة والصراعات المستمرة قد تزيد العبء النفسي على الإنسان.
لكن من المهم ألا نحمّل البيئة كل المسؤولية؛ فالسلوك البشري نتيجة تفاعل معقد بين الاستعدادات الشخصية، والتجارب، والتربية، والظروف الاجتماعية، والصحة النفسية والجسدية.
وهنا يأتي السؤال الأهم: كيف يتعامل الإنسان مع بيئته؟
ليس المطلوب دائمًا أن يهرب الإنسان من كل بيئة صعبة، فبعض الظروف لا يمكن تغييرها فورًا. لكن يمكنه أن يتعلم وضع الحدود، واختيار العلاقات الصحية قدر الإمكان، والابتعاد عن مصادر الأذى عندما يستطيع، والتعبير عن احتياجاته، وطلب الدعم والمساعدة المتخصصة عندما تصبح الضغوط أكبر من قدرته على الاحتمال.
فالإنسان يتأثر ببيئته، لكنه ليس أسيرًا لها بالضرورة.
قد لا نختار البيئة التي بدأنا فيها حياتنا، لكننا نستطيع أن نشارك في صناعة البيئة التي نكمل فيها حياتنا.
وفي النهاية، فإن فهم العلاقة بين البيئة والسلوك يجعلنا أكثر رحمة في الحكم على الآخرين؛ فليس كل سلوك سيئ دليلًا على سوء الإنسان، وليس كل شخص هادئ يعيش بالضرورة حياة هادئة. أحيانًا يكون وراء السلوك تاريخ طويل من التجارب والضغوط لم نرَ منه إلا النتيجة.
ماذا نقصد بالبيئة؟
عندما نتحدث عن البيئة، فنحن لا نقصد بالضرورة البيئة السيئة أو المليئة بالمشكلات كما قد يظن البعض، وإنما نقصد كل ما يحيط بالإنسان ويعيش ويتفاعل معه؛ كالأسرة، والأصدقاء، والمدرسة، والعمل، والمجتمع، والثقافة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وحتى طبيعة العلاقات التي يعيشها يوميًا.
فالبيئة قد تكون إيجابية وداعمة فتساعد الإنسان على النمو وبناء الثقة والاستقرار، وقد تكون ضاغطة أو سلبية فتؤثر في مشاعره وسلوكه وطريقة تعامله مع الحياة.
لذلك، فالحديث عن تأثير البيئة لا يعني اتهام البيئة أو تحميلها مسؤولية سلوك الإنسان، وإنما محاولة لفهم كيف يمكن للمحيط الذي نعيش فيه أن يترك أثرًا في تكوين شخصياتنا وطريقة تفكيرنا واستجاباتنا المختلفة.
ولهذا، قبل أن نحكم على الإنسان من تصرفه، ربما علينا أن نسأل:
ما البيئة التي شكّلت هذا التصرف؟ وما الذي مرّ به هذا الإنسان حتى أصبح كما هو؟



(
(






