يظن كثيرون أن الذكاء هو أن تسبق الجميع إلى الكلام وأن تثبت في كل مجلس أنك الأكثر معرفة وأن ترد على كل خطأ، وتصحح كل معلومة وتكشف كل ما تراه. غير أن الحياة وهي المعلم الذي لا يمنح دروسه إلا بعد طول صحبة تهمس للإنسان بحقيقة أكثر هدوءًا… وأبعد أثرًا.
فمع مرور الأعوام ومع كل تجربة تضيف إلى الروح شيئًا من نورها، يكتشف الإنسان أن قوته الحقيقية لا تكمن في سرعة الرد، بل في قدرته على اختيار اللحظة التي يستحق فيها الرد أن يولد. ويكتشف كذلك أن المعرفة حين تُستعرض تفقد شيئًا من بريقها، أما إذا أمسكت الحكمة بزمامها، تحولت إلى وقار يسبق صاحبه حيثما حل.
ومن هنا، لا يعود غريبًا أن ترى أكثر الناس خبرةً أقلهم حديثًا عن خبراتهم، وأكثرهم فهمًا أقلهم استعجالًا لإثبات أنهم يفهمون. فهم لا يحملون همَّ أن يقتنع الناس بذكائهم، لأن الذكاء الذي يحتاج إلى إعلان دائم، لا يزال يبحث عن اكتماله.
ولعل من أجمل الهدايا التي تمنحها الحياة للإنسان، بعد طول التجارب ونضج البصيرة، تلك القدرة الراقية على التغابي؛ لا التغابي الذي يولد من الجهل، بل التغابي الذي تلدُه الحكمة، وترعاه الرحمة.
أن تسمع ما تعرف حقيقته، فلا تقاطع.
وأن تدرك ما وراء الكلمات، فلا تستعجل في كشف أصحابها.
وأن ترى الخطأ بعين الخبير، ثم تسأل نفسك قبل أن تصلحه: هل يستحق هذا التصحيح أن أخسر قلبًا، أو أجرح خاطرًا، أو أُسقط هيبة إنسان؟
فما أسهل أن تكشف الناس وما أصعب أن تسترهم وما أسهل أن تنتصر في نقاش… وما أعظم أن تنتصر على رغبتك في الانتصار.
ذلك لأن الحياة، في نهاية الأمر، لا تقيس نضجنا بعدد المعارك التي ربحناها، بل بعدد المعارك التي عرفنا بحكمة ألا نخوضها.
فليست كل مواجهة تستحق أن تبدأ، وليست كل حقيقة تحتاج إلى من يرفع عنها الستار، وليس كل ما ينكشف أمامك أمانة تقتضي أن تعلنه. فثمّة معارف خُلقت لتجعل الإنسان أكثر رحمة، لا أكثر سلطة، وأكثر سترًا، لا أكثر حضورًا.
وكم هو جميل أن يظن بعض الناس أنك لم تنتبه، بينما كنت قد قرأت المشهد منذ أول سطر.
وأجمل من ذلك أن يظنوا أنك صدقت رواية تعلم أنها ناقصة، لأنك أدركت أن كشف النقص لن يضيف إلى الحقيقة شيئًا، لكنه ربما يسلب إنسانًا آخر ما بقي له من كرامة.
وهنا يكمن الفرق بين من يريد أن يثبت أنه يعرف… ومن يعرف، فلا يحتاج إلى إثبات.
وليس ذلك ضعفًا، ولا سذاجة، ولا هروبًا من المواجهة، بل هو نوع نادر من القوة؛ قوة الإنسان الذي يملك القدرة على أن يكشف… ثم يختار، بكامل وعيه، ألا يفعل.
فالنفوس الكبيرة لا تنشغل بإثبات أنها تعرف كل شيء، وإنما تنشغل بأن يبقى في قلوبها متسع لكل شيء؛ متسع للعذر، وللصفح، ولضعف البشر الذي لا ينجو منه أحد.
ومع الأيام، تعلمنا الحياة درسًا آخر لا يقل جمالًا أن أكثر الناس راحة ليس من يعرف أسرار الآخرين، بل من يعرف كيف يحملها دون أن تثقل قلبه، وكيف يدعها تمر أمامه كما تمر الغيوم في السماء؛ يراها، لكنه لا يطاردها، ولا يجعل منها وسيلة للانتصار، أو أداة للهيمنة، أو مادة يتزين بها أمام الناس.
وحين يبلغ الإنسان هذه المنزلة، يكتشف أن الصمت ليس غيابًا للكلام، بل حضورٌ للحكمة وأن التغابي ليس غفلةً عن الحقيقة، بل تحررٌ من الحاجة إلى إعلانها في كل حين.
فليست البطولة أن تقول كل ما تعرف ولا الحكمة أن تكشف كل ما ترى بل قد تكون البطولة الحقيقية أن تعرف… ثم تمضي، وكأنك لم تعرف.
أحبتي…
ليس كل من ابتسم كان مخدوعًا وليس كل من سكت كان عاجزًا وليس كل من تجاهل كان غافلًا.
فبعض الصمت… معرفة.
وبعض التغابي… أخلاق.
وبعض التجاهل… قمة الذكاء.
وربما كانت أعلى مراتب الحكمة، أن ترى كل شيء… ثم لا يراك أحد منشغلًا إلا بإصلاح نفسك.
بقلم: المحامية شيرين كم نقش



(
(




