بقلم: مريم عبدالله القيواني
ناشطة مجتمعية قانونية
باحثة في السيكولوجية و السلوكيات البشرية
في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي نافذة مفتوحة على العالم، لم يعد ما يُنشر مجرد صورة أو مقطع فيديو عابر، بل أصبح رسالة ثقافية تعكس هوية المجتمع وقيمه أمام ملايين المتابعين ، ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الحرية الشخصية وبين المسؤولية المجتمعية.
بادئ ذي بدء، أبارك لكل عروسين، وأسأل الله أن يديم عليهما المودة والرحمة، فالأفراح مناسبات مباركة تستحق الاحتفاء والدعاء ،وما سأطرحه هنا لا يستهدف أشخاصًا بأعينهم، ولا يتدخل في حياتهم الخاصة، وإنما يناقش ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل والحوار.
لقد عُرف المجتمع الإماراتي، عبر تاريخه، بحرصه على صون خصوصية المرأة، وجعل الأعراس مناسبة يختلط فيها الفرح بالحشمة، وتحاط فيها العروس بمكانة خاصة تحفظ لها هيبتها وخصوصيتها ،لذلك لم يكن من المألوف أن تُنشر صور العروس وهي بجوار زوجها في ليلة الزفاف أو عقد القران على الملأ، بحيث تصبح تلك اللحظات الخاصة مادة للتداول عبر المنصات الرقمية.
ولا يعني ذلك رفض توثيق الأفراح أو إعلان الزواج، فإشهار الزواج من القيم الاجتماعية والدينية المعروفة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الإعلان عن المناسبة ،وبين نشر تفاصيل شخصية وصور خاصة تجعل من خصوصية الأسرة محتوى عامًا.
ما يدعو إلى التأمل ليس مجرد صورة أو مقطع، وإنما أثره التراكمي على الأجيال القادمة. فالطفلة التي ترى هذا المشهد اليوم، قد تعتبره غدًا السلوك الطبيعي الذي يمثل المجتمع الإماراتي، بينما نشأت أجيال كاملة على أن للعروس خصوصية، وأن الحياء قيمة اجتماعية راسخة، لا تتعارض مع الفرح، بل تضفي عليه وقارًا واحترامًا.
إن الحفاظ على العادات والتقاليد لا يعني رفض التطور أو الانفتاح، بل يعني أن يبقى التطور منسجمًا مع هوية المجتمع .
فليست كل الممارسات المنتشرة عالميًا ملائمة لكل مجتمع، كما أن لكل أمة خصوصيتها الثقافية التي تمنحها تميزها بين الأمم.
كما أن ما يُنشر في الفضاء الرقمي لا يظل محصورًا بين الأصدقاء، بل يصبح متاحًا للعالم أجمع، وقد يُفهم على أنه يمثل المجتمع الإماراتي بأكمله، بينما قد يكون مجرد تصرف فردي لا يعبر عن ثقافة المجتمع ولا عن عاداته الراسخة.
ومن المهم أيضًا التفريق بين الحق القانوني للفرد في اتخاذ قراراته الشخصية، وبين حق المجتمع في التعبير عن رأيه تجاه السلوكيات التي تُعرض على الملأ.
فحرية الاختيار في الزواج مسألة شخصية يكفلها القانون، سواء كان الزواج من مواطن أو غير مواطن، أما نشر تفاصيل الحياة الخاصة فهو اختيار آخر، ومن الطبيعي أن يثير نقاشًا عامًا عندما يكون له أثر اجتماعي وثقافي.
إن المجتمعات لا تفقد هويتها دفعة واحدة، وإنما تتغير تدريجيًا عندما تتكرر بعض الممارسات حتى تصبح مألوفة، ثم تتحول مع الزمن إلى عرف جديد.
ومن هنا تأتي مسؤوليتنا جميعًا في المحافظة على ما نراه من القيم الأصيلة التي شكّلت الشخصية الإماراتية، وفي مقدمتها الحياء، والخصوصية، واحترام الأسرة.
إن دعوتنا ليست إلى تقييد الحريات، ولا إلى التدخل في شؤون الناس، وإنما إلى ترسيخ ثقافة الوعي، والتفكير في أثر ما ننشره على أبنائنا وبناتنا، وعلى الصورة التي نقدمها عن مجتمعنا أمام العالم.
فالهويات الوطنية لا تُحفظ بالشعارات وحدها، وإنما تُحفظ بالممارسة اليومية، وبالتمسك بالقيم التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، مع الانفتاح الواعي على كل جديد دون أن نفقد خصوصيتنا الثقافية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نريد لأبنائنا أن يرثوا أحدث التقنيات فقط، أم نريدهم أيضًا أن يرثوا القيم التي صنعت هوية الإمارات، وجعلتها نموذجًا يجمع بين الأصالة والتقدم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح مجتمعنا في المستقبل.



(
(




