شيرين فريد – مملكة البحرين
قراءة نقدية
ليست أعمال الفنان التشكيلي البحريني زهير السعيد بحثًا عن مادة جديدة، بل مراجعة للفكرة التي منحت المادة قيمتها منذ البداية. فهو ينزع عنها وظيفتها الأولى، ويحررها من تاريخها الاستهلاكي، ثم يعيد تقديمها داخل نظام بصري مختلف، حيث لا تعود الأشياء تُقاس بما كانت تؤديه، بل بما تستطيع أن تقوله.
في تجربته، لا تبدو اللوحة سطحًا للرسم، بل مساحة تفاوض بين الإنسان وما يتركه خلفه. هنا لا تُخفى آثار الزمن، ولا تُمحى علامات الاستخدام، بل تُستدعى بوصفها الجزء الأكثر صدقًا في العمل. إن ما يرفضه العالم لأنه فقد جدواه، يمنحه الفنان فرصة ثانية ليصبح حاملًا لمعنى جديد.
وإذا كان الفن عبر تاريخه قد احتفى غالبًا بالمادة النقية، فإن زهير السعيد يقترح جمالًا من نوع آخر؛ جمالًا يولد من الاحتكاك، ومن التآكل، ومن التغير المستمر. وكأن العمل الفني لا يبدأ عندما تكتمل المادة، بل عندما تتوقف عن ادعاء الكمال.


لهذا لا يمكن اختزال تجربته في مفهوم “الاستدامة”، لأن الاستدامة لديه ليست مشروعًا بيئيًا بقدر ما هي مشروع ثقافي يعيد مساءلة علاقتنا بالأشياء. فهو يطرح سؤالًا غير معلن: هل تنتهي قيمة الشيء بانتهاء وظيفته، أم تبدأ قيمته الحقيقية عندما يتحرر منها؟
إن هذه الرؤية تمنح الفن البحريني المعاصر بعدًا جديدًا؛ فلا يصبح الفن وسيلة لإنتاج صور جميلة، بل أداة لإعادة ترتيب علاقتنا بالعالم. فكل عمل يقدمه زهير السعيد لا يستعيد مادة مهملة، وإنما يستعيد فكرة أهملها الإنسان، وهي أن الزمن لا يستهلك الأشياء فقط، بل يمنحها معاني لم تكن تمتلكها من قبل.
لذلك، فإن خصوصية تجربته لا تكمن في نوع الخامات التي يستخدمها، وإنما في قدرته على تحويل المادة من شيء يُستخدم إلى شيء يُفكر من خلاله. وهنا ينتقل العمل الفني من كونه منتجًا بصريًا إلى كونه موقفًا فكريًا، يجعل من كل قطعة مادة سؤالًا مفتوحًا حول القيمة، والبقاء، وتحولات الإنسان في عالم سريع الاستهلاك.
أرى أن هذه الزاوية النقدية أكثر جدة؛ لأنها لا تتحدث عن تجربة زهير السعيد بوصفها “فنًا مستدامًا” فحسب، بل تضعها ضمن فلسفة إعادة تعريف قيمة المادة.






(
(




