|  آخر تحديث يوليو 14, 2026 , 6:55 ص

هل أصبح العمر حاجزاً أمام الكفاءة؟


هل أصبح العمر حاجزاً أمام الكفاءة؟



 

 

حين تُستبعد الخبرة بسبب تاريخ الميلاد

 

بقلم: مريم عبدالله القيواني

ناشطة حقوقية مجتمعية 

 

في دولة الإمارات، التي جعلت الإنسان محور التنمية، والتي آمنت بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في الكفاءات، يبرز تساؤل يستحق أن نتوقف عنده بكل موضوعية:

 

هل أصبح تاريخ الميلاد معياراً يسبق الكفاءة والخبرة عند التوظيف؟

 

هذا السؤال لا ينتقص من أهمية تمكين الشباب، فالشباب هم طاقة الوطن ومستقبله، والدولة أولتهم اهتماماً كبيراً عبر برامج التأهيل والابتعاث والتوطين. لكن في المقابل، هناك شريحة لا تقل أهمية، وهي أصحاب الخبرات ممن تجاوزوا سن الأربعين، والذين يجد كثير منهم أبواب التوظيف تُغلق قبل أن تُتاح لهم فرصة المنافسة.

 

فالمفارقة التي يواجهها الباحث عن عمل اليوم، أن بعض الإعلانات الوظيفية ترحب بالكفاءات، بينما تحدد منصات التقديم أعمار المتقدمين بين 20 و30 عاماً، أو بحد أقصى 35 عاماً. 

 

وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت الخبرة لا تجد فرصة بعد الأربعين، فأين تتجه هذه الكفاءات الوطنية؟

 

قد يرى البعض أن توظيف الشباب يحقق للمؤسسة استثماراً طويل الأمد، وأن الموظف الأصغر سناً سيقضي سنوات أكثر في الخدمة، ويتطور مع المؤسسة، ويواكب التقنيات الحديثة. وهذه رؤية منطقية في كثير من الحالات، ولا خلاف على أهميتها.

 

لكن هل يعني ذلك أن صاحب الخبرة أصبح أقل قيمة؟

 

الإجابة بكل تأكيد: لا.

 

فالخبرة لا تُقاس بعدد السنوات المتبقية قبل التقاعد، وإنما بما يقدمه الإنسان من معرفة، وحكمة، وانضباط، وقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة. وكثير من المؤسسات الناجحة تقوم على هذا التكامل؛ فالشباب يأتون بالأفكار الجديدة والطاقة، بينما يقدم أصحاب الخبرة الرؤية، والاستقرار، والتوجيه.

 

والواقع يؤكد أن القدرة على العمل لا ترتبط بالعمر وحده. 

 

فكم من شخص تجاوز الخمسين وما زال يعمل بكفاءة عالية، ويتقن التقنيات الحديثة، ويطور نفسه باستمرار، وكم من شاب ما زال في بداية طريقه المهني ويحتاج إلى من يرشده ويشاركه الخبرة.

 

كما أن طبيعة الوظائف تختلف؛ فهناك وظائف ميدانية تتطلب جهداً بدنياً، وأخرى تعتمد على الفكر والإدارة والتحليل والخبرة. 

 

لذلك، فإن تعميم شرط العمر على جميع الوظائف قد يحرم المؤسسات من كفاءات وطنية قادرة على تحقيق قيمة مضافة منذ اليوم الأول، دون الحاجة إلى سنوات طويلة من التدريب.

 

إن المطلوب ليس أن نمنح الأفضلية لفئة على حساب أخرى، بل أن نرسخ مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، والمؤهل، والخبرة، والقدرة على الإنجاز، لا تاريخ الميلاد.

 

ومن هنا، أقترح دراسة استحداث مسارات توظيف تستهدف أصحاب الخبرات ممن تجاوزوا سن الأربعين، وإعادة النظر في اشتراطات العمر في الوظائف التي لا تستدعي ذلك، مع فتح المجال أمام المنافسة العادلة بين جميع المتقدمين.

 

إن الاستثمار في الشباب ضرورة، لكنه لا يكتمل إلا بالاستثمار في الخبرات. 

 

فالوطن لا يبنى بجيل واحد، وإنما بتكامل الأجيال، حيث يلتقي حماس الشباب مع حكمة أصحاب التجربة، لتستمر مسيرة التنمية بثبات وثقة.

 

وفي الختام، تبقى رسالتي أن العدالة الوظيفية ليست في منح الفرصة للأصغر سناً أو للأكبر سناً، وإنما في منحها للأكفأ. 

 

فالكفاءة لا تعرف عمراً، والعطاء لا يرتبط بتاريخ الميلاد، وإنما بالإرادة، والخبرة، والقدرة على خدمة الوطن بإخلاص وتميز.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com