بقلم: المحامية شيرين كم نقش
في الوعي الإنساني البسيط تبدو العدالة فكرةً مطمئنة؛ إذ يُخيّل إلينا من حيث البداهة أن الحق بمجرد كونه حقًا لا بد أن ينتصر، غير أنّ التجربة تلك التي تصقلها المحاكم وتُرسّخها وقائع الحياة تمضي بنا إلى منحى مغاير حيث تكشف لنا أن الواقع أكثر تعقيدًا وأن الحقيقة ليست دائمًا كافية بذاتها.
فكم من صاحب حقٍ خسر قضيته، لا لقصورٍ في حقه، بل لعجزٍ في إثباته؟ وكم من باطلٍ كسب جولة، لا لأنه أحق، بل لأنه أقدر على العرض والإقناع؟ ومن هنا، يتبدّى أن القانون في جوهره لا يكافئ “الحقيقة” المجردة بقدر ما يكافئ الحقيقة التي يمكن إثباتها وبذلك تنشأ تلك المسافة الدقيقة بل الخطرة بين ما هو “حق”، وما هو “مُثبت على أنه حق
وعليه وفي قاعات المحاكم لا يكفي أن تكون مظلومًا، بل يتعيّن عليك أن تُثبت ذلك وفق أطرٍ إجرائية قد لا ترحم ضعفك، ولا تُجامل عفويتك إذ إن الإجراء لا الشعور هو الذي يصوغ الحكم، كما أن الدليل لا القناعة الداخلية هو الذي يخطّ المصير القانوني.
ومن هذا المنطلق تتسلل على نحوٍ مجازي ما يمكن تسميته بـ”قوى الشر”، لكونها في كثيرٍ من الأحيان، أكثر تنظيمًا، وأشد قدرةً على استثمار الثغرات فضلًا عن براعتها في تحويل الباطل إلى سرديةٍ متماسكة فيغدو الباطل حقًا في الظاهر، لا لأنه كذلك في الجوهر، بل لأنه أُحسن تقديمه.
ولعل الأدب قد سبق القانون في التقاط هذه المفارقة الإنسانية الدقيقة إذ يشير فيودور دوستويفسكي في إحدى تأملاته إلى أن “الإنسان لا يخطئ لأنه شرير دائمًا، بل لأنه يجد لنفسه مبررًا”. ومن ثمّ يتجلى مكمن الخطر الحقيقي حيث إن الشر لا يتبدّى دائمًا في صورته الفجّة، بل يتوارى خلف تبريراتٍ وسردياتٍ مقنعة، تمنحه في الظاهر مسحةً من العقل، وربما حتى من العدالة.
غير أنّ النظر إلى المسألة من زاوية قانونية بحتة، يُفضي إلى نتيجة مغايرة؛ إذ لا وجود لمفهوم “الشر” كمصطلح قانوني، وإنما ثمة جريمة تقوم على أركانٍ محددة: ركن مادي، ركن معنوي، ودليل يُقيم التوازن بين الادعاء والإنكار. ومع ذلك، ومن زاويةٍ إنسانية أوسع، ندرك أن ثمة ما يتجاوز النصوص؛ وأن هناك حالاتٍ لا يكفي القانون وحده لاحتوائها، كما لا تكفي الأدلة في بعض الأحيان لإظهار حقيقتها كاملة.
وعند هذه النقطة تنكشف حقيقة قد لا تروق للكثيرين: إذ ليس كافيًا أن تكون على حق، بل لا بد أن تعرف كيف تحمي هذا الحق.
ذلك أن الحق الذي لا يُدار بحكمة قد يُهزم، في حين أن الباطل إذا ما أُدير بدهاء قد ينتصر، ولو إلى حين.
غير أن هذا الانتصار المؤقت لا يخلع على الباطل شرعية، بقدر ما يُلقي على عاتقنا مسؤوليةً مضاعفة تتمثل في إحسان الدفاع وإتقان الإثبات والإيمان بأن العدالة ليست حالةً تلقائية، بل هي جهدٌ مستمر، ومسارٌ يتطلب وعيًا ويقظة.
وفي الختام… لا يسقط الحق لأنه ضعيف في ذاته، بل لأنه في كثيرٍ من الأحيان يُترك وحيدًا في مواجهة من يُتقن لعبة القانون أكثر.



(
(






