بقلم الصحفية يانا العلي
ليست الحرب خبراً عابراً في نشرة مساء، ولا صورة بعيدة تمر على الشاشات ثم تنطفئ. الحرب شيء آخر تماماً. الحرب حفرة عميقة في الذاكرة، وصوت لا يغادر القلب، ووجع يبقى حياً مهماً حاولت السنوات أن تخفف حدته. ومن عاش الحرب مرة، لا يعود كما كان أبداً ..يصير أكثر انتباهاً لكل شرارة، وأكثر خوفاً على الأوطان، وأكثر تمسكاً بمعنى الأمن والأمان حين يراه مستقراً في مكان ما.
أنا ابنة تجربة لم تكن سهلة، وتجربتي مع الحرب في سورية لم تكن مجرد متابعة لما جرى، بل كانت معايشة لزلزال إنساني هز الروح قبل أن يهز الأرض. في البداية، لم يكن أحد يتخيل أن النار يمكن أن تكبر إلى هذا الحد. بدأت الحكاية بفتنة تسللت بين الناس، وبانقسام تمدد في النفوس، وبأصوات عالية دفعت كثيرين، بوعي أو من دونه، إلى أن يكونوا أدوات في لعبة أكبر منهم جميعاً. ثم اشتعلت النيران في الأرض والقلب ، وما إن اشتعلت حتى لم تترك شيئا على حاله.
في الحرب، لا يوجد منتصر حقيقي. هذه هي الحقيقة التي لا يفهمها إلا من رأى الخراب بعينيه، وعاش تفاصيل الحرب. الجميع خسر. خسر الناس بيوتهم، وخسروا أحباءهم، وخسروا شعورهم البسيط والمقدس بالأمان. وخسر الوطن ملامحه التي عرفناها، وتراجعت صورة الحياة أمام مشهد طويل من الألم والدمار والغياب. ولم يبق بعد ذلك كله سوى أطلال ثقيلة، وذكريات مبعثرة، وقلوب أنهكها الحنين إلى ما كان.
لقد رأيت كيف يمكن لوطن كامل أن يتبدل في زمن قصير. كيف يمكن للمدن التي كانت مليئة بالحياة أن تصبح صامتة، وكيف يمكن للدفء الذي كنا نشعر به في الأرض أن يتحول إلى شوق دائم لا يهدأ. وحين ضاقت البلاد بأهلها، هام كل واحد منا إلى بقاع الأرض، يبحث عن الأمان والاستقرار، وعن مكان يشعر فيه أن الخوف لن يطارده كل صباح، وأن الليل سيمر بسلام، وأن الغد ليس مجهولاً إلى هذا الحد.فكانت الإمارات وجهتي.
لهذا السبب تحديداً…ينتاب قلبي أحياناً مشاعر خوف على الإمارات. ليس خوفاً نابعاً من واقع مماثل -لاقدر الله -بل من ذاكرة تعرف تماماً كيف تبدأ الأشياء حين تخرج عن مسارها. من عانى من الحرب وتبعياتها، وذاق مرارتها حتى آخرها، لا يمكنه أن يتمنى هذا الألم لأي بلد آخر، ولا لأي شعب آخر. فكيف إذا كانت هذه الدولة هي الإمارات ،التي وهبت الأمن والأمان اكل من قصدها ملاذاً .
من عاش الفوضى مرة، يصبح أكثر إدراكا لقيمة النظام، وأكثر وفاء لفكرة الاستقرار، وأكثر حساسية تجاه أي توتر أو اضطراب أو خطاب قد يفتح الأبواب لما لا تحمد عقباه.
الإمارات، وهي تمضي بثبات في طريق التنمية والازدهار، تعيش أيضاً ضمن منطقة لا تهدأ تحدياتها، ولا تغيب عنها التحولات الكبرى. وفي مشهد شرق أوسطي شديد التعقيد، تبقى الدول المستقرة هدفاً لمحاولات الإرباك والاستنزاف، سواء عبر بث الخوف، أو صناعة الانقسام، أو استهداف الوعي الجمعي، أو محاولة إضعاف تماسك المجتمعات من الداخل. وما شهدته دول عربية كثيرة خلال السنوات الماضية يثبت أن الخراب لا يبدأ دائما بصوت الانفجار، بل قد يبدأ بكلمة، أو بإشاعة، أو بفتنة، أو بخطاب يزرع الشك والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.
ومن هنا، فإن الخوف على الإمارات ليس تشاؤماً، بل وعي ولد من رحم التجربة. هو خوف المحب، وخوف من عرف كيف تسقط الأوطان حين يستهان بالنار في أولها. وهو في الوقت نفسه إيمان عميق بأن حفظ الأوطان لا يكون فقط بالقوة، بل أيضاً بالوعي، وبالالتفاف حول القيادة، وبحماية النسيج المجتمعي، وبالتمسك بالعقل، ورفض كل ما يدعو إلى الفوضى أو يعبث باستقرار الناس وأمانهم.
لقد علمتني سورية، بكل ما فيها من وجع، أن الوطن ليس شيئاً عادياً يمكن تعويضه. الوطن روح. وإذا انكسر، انكسر معه شيء كبير في داخل الإنسان. لذلك، حين أنظر إلى الإمارات، لا أنظر فقط إلى بلد ناجح وآمن، بل إلى نعمة عظيمة يجب أن تُصان، وإلى نموذج يستحق أن نحميه بالوعي والانتماء والمحبة.
من عاش الحرب لا يخاف على نفسه فقط، بل يخاف على كل أرض آمنة، وعلى كل شعب لم يذق بعد مرارة التشرد والفقد. ولهذا أدعو من قلبي أن يحفظ الله الإمارات، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها وطمأنينتها، وأن يبعد عنها وعن شعوب المنطقة كلها شر الفتن ومصائر الخراب. لأن الحرب، مهما بدت للبعض مجرد حدث سياسي، تبقى في حقيقتها مأساة إنسانية لا يربح فيها أحد، ويكفي أن يعيشها الإنسان مرة واحدة حتى يقضي عمره كله وهو يدعو ألا تتكرر.



(
(





