|  آخر تحديث مارس 24, 2026 , 17:03 م

لكلِّ جوادٍ كبوة


لكلِّ جوادٍ كبوة



بقلم المحامية شيرين كم نقش

 

 

مهما بلغت الدول من قوةٍ ونفوذ، ومهما رسخت مكانتها في النظام الدولي، تظلّ عرضةً لاختبارات مفاجئة تكشف هشاشة اللحظة الإنسانية أمام تعقيدات الواقع. فالأزمات، بطبيعتها، لا تعترف بالتقدّم ولا تُفرّق بين اقتصادٍ صاعد ودولةٍ راسخة، بل تتسلل عبر ثغراتٍ غير متوقعة، سياسية كانت أو اقتصادية أو صحية أو أمنية، لتضع الجميع أمام امتحان القدرة على الاحتواء وإعادة التوازن. ومن هنا تصدق الحكمة: لكل جواد كبوة، حتى وإن كان في صدارة السباق.

غير أن ما يميّز الدول في لحظات التعثر ليس وقوع الأزمة بحد ذاته، وإنما الكيفية التي تُدار بها تداعياتها، والسياق الدولي الذي تتحرك ضمنه، والهوامش القانونية المتاحة لها. فإدارة الأزمات على المستوى الدولي لا تُبنى على القرار السيادي المجرد، بل تتداخل فيها شبكة معقدة من الالتزامات القانونية، والاتفاقيات متعددة الأطراف، والتحالفات الاستراتيجية، وموازين القوى التي ترسم حدود الحركة الممكنة.

في هذا الإطار، يشكّل القانون الدولي البنية الناظمة لسلوك الدول، إذ يوفّر قواعد تضبط استخدام القوة، وتنظم العلاقات الدبلوماسية، وتؤطر التعاون الاقتصادي، وتحدد مسؤوليات الدول في أوقات النزاعات والكوارث. غير أن هذا الإطار، على أهميته، لا يعمل في فراغٍ نظري، بل يتفاعل مع واقعٍ سياسي تحكمه المصالح، وتؤثر فيه مراكز النفوذ، وتعيد تشكيله التحالفات المتغيرة. وهنا تتجلى الفجوة الدقيقة بين النص القانوني وميزان القوة، بين ما يجب أن يكون وما يمكن تحقيقه.

فالدولة التي تمتلك شبكة علاقات دولية متينة تجد في الأزمات مساحات أوسع للمناورة، سواء عبر الدعم السياسي أو المساندة الاقتصادية أو التنسيق الأمني، بينما تضيق الخيارات أمام الدول المعزولة، حتى وإن كانت تمتلك أدوات قانونية مماثلة. كما تلعب الإمكانات الاقتصادية دورًا حاسمًا في تحويل الالتزامات القانونية إلى قدرة تنفيذية، إذ إن احترام المعاهدات، والوفاء بالتعهدات، والمشاركة في الجهود الدولية، جميعها تتطلب موارد مؤسسية ومالية وتقنية لا تتوافر بالتساوي بين الدول.

 

 

ومن زاوية أخرى، تكشف الأزمات حدود فعالية المنظومة القانونية الدولية؛ فبينما تنجح بعض الآليات في إدارة النزاعات وتسوية الخلافات، تظهر في المقابل تحديات تتعلق ببطء الإجراءات، وتباين التفسيرات، وازدواجية المعايير في التطبيق. ومع ذلك، يظل القانون الدولي إطارًا ضروريًا يمنع الانزلاق إلى الفوضى، ويوفّر أرضية مشتركة للحوار، ويمنح الشرعية للمواقف، حتى في ظل صراع المصالح.

إن واقعية إدارة الأزمات تقتضي قراءة مزدوجة: قراءة قانونية تُحسن فهم الالتزامات والحقوق، وقراءة سياسية تستوعب موازين القوى وحدود الممكن. ومن خلال هذا التوازن، تستطيع الدول صياغة استجابات رشيدة تُقلل الخسائر، وتحافظ على السمعة الدولية، وتمنع تحوّل التعثر المؤقت إلى تراجع استراتيجي طويل الأمد.

وهكذا، فإن كبوات الدول، مهما بدت قاسية، لا تُقاس بحدوثها، بل بقدرة الأنظمة القانونية والمؤسسية على احتوائها، وبكفاءة الدبلوماسية في إدارة تداعياتها، وبنضج القيادة في تحويل الأزمات إلى مسارات تصحيح وتحديث. فالقوة الحقيقية لا تكمن في تجنّب السقوط، بل في امتلاك أدوات النهوض ضمن نظام دولي معقّد، تتداخل فيه القواعد مع المصالح، ويظل فيه القانون، رغم كل التحديات، لغةً مشتركة لتنظيم الاختلاف وإدارة التنافس.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com