|  آخر تحديث مارس 4, 2026 , 19:46 م

قبل أن تقع… اقرأني


قبل أن تقع… اقرأني



حين تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مسؤولية كاملة

 

يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: “حيث لا يكون هناك قانون، لا تكون هناك حرية.”

ولعل المفارقة أن كثيرين لا يكتشفون معنى هذه العبارة إلا عندما تمسهم نتيجة تصرفٍ ظنوه بسيطًا.
في إحدى القضايا التي مرت عليّ في مسيرتي المهنية، لم تبدأ المشكلة بخلاف كبير، ولا بنيّة سيئة، بل برسالة قصيرة كُتبت على عجل.
كلمات عابرة، أُرسلت في لحظة انفعال، تحولت لاحقًا إلى مستند يُتداول أمام القضاء.
لم يكن صاحبها مجرمًا، ولا معتادًا على الخصومة، بل شخصًا عاديًا ظنّ أن العفوية تحميه.

هنا تتجلى الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون:
القانون لا يتعامل مع النوايا المضمرة، بل مع الأفعال الظاهرة.
ولا يقرأ ما قصدناه… بل ما كتبناه، ووقّعناه، وصرّحنا به.

نعيش تفاصيلنا اليومية بخفة:
نشتري عبر الهاتف، نعيد نشر خبر، نوقّع ورقة مجاملة، نَعِد صديقًا بسداد مبلغ لاحقًا.
كل ذلك يحدث في إطار اجتماعي مألوف، بعيد عن صورة المحاكم والخصومات.

لكن أغلب النزاعات التي نراها اليوم لا تبدأ بجرائم جسيمة، بل بتفصيلة صغيرة لم يُنتبه إلى أثرها القانوني في حينه.

صورة نُشرت بدافع المزاح قد تُعد تعديًا على الخصوصية، اتفاق شفهي بين أصدقاء قد يتحول إلى نزاع يصعب إثباته، توقيع بدافع الثقة قد يرتب التزامًا طويل الأمد.

المشكلة ليست في جهل الناس بالقانون، بل في الاعتقاد أن القانون بعيد عنهم والحقيقة أنه أقرب مما نتصور.
إنه حاضر في تفاصيل البيع، وفي العبارات المكتوبة، وفي الضمانات، وفي كل التزام نُعبّر عنه بإرادتنا.
الوعي القانوني ليس ترفًا ثقافيًا، ولا لغة نخبوية هو ممارسة يومية تحمي العلاقات قبل أن تحمي الحقوق، هو أن ندرك أن التوثيق لا يعني انعدام الثقة، وأن التأني لا يعني الشك،
وأن القراءة قبل التوقيع احترامٌ لأنفسنا قبل أن يكون حذرًا من الآخرين.

لسنا بحاجة إلى أن نعيش بخوف، بل بحاجة إلى أن نعيش بوعي.

في هذه السلسلة، لن أقدّم نصوصًا جامدة، ولا أرقام مواد قانونية، سأحاول أن أفتح مساحة بين التصرف ونتيجته،
مساحة تسمح لنا بأن نفكر قبل أن نخطو، وأن نقرأ قبل أن نوقّع، وأن نكتب ونحن ندرك أن للكلمات أثرًا يتجاوز اللحظة.

فبعض الأخطاء لا تحتاج محاميًا بعد وقوعها… بل تحتاج فكرة قانونية صغيرة قبل حدوثها.

قبل أن تقع… اقرأني.

 

 

بقلم: المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com