الإعلامية يانا العلي
لم يعد العمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة نشاطًا موسميًا أو مبادرة فردية عابرة، بل تحوّل إلى مكوّن أساسي في نسيج المجتمع، وركيزة من ركائز التنمية المستدامة.
فبين من يراه ثقافة مجتمعية نابعة من قيم العطاء، ومن يعتبره مسؤولية وطنية تُسهم في بناء الإنسان قبل المكان، يبرز السؤال: هل التطوع في الإمارات خيار أخلاقي أم واجب وطني؟
منذ تأسيس الدولة، ارتبط مفهوم العطاء بالهوية الإماراتية. فقد غرس القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قيم الخير والعمل الإنساني في وجدان المجتمع، وجعل من الإنسان محور التنمية وغايتها. هذا الإرث لم يبقَ في إطار الخطاب، بل تُرجم إلى مؤسسات ومبادرات وهيئات تُنظم العمل التطوعي على أرض الواقع ،وتمنحه بعدًا استراتيجيًا يخدم المجتمع والدولة معًا.
التطوع في الإمارات اليوم يُمارَس بروح جماعية، ويشارك فيه المواطنون والمقيمون على حد سواء، ما يعكس ثقافة مجتمعية متجذرة تقوم على التعاون والتكافل.
وقد لمستُ ذلك شخصيًا من خلال تجربتي في العمل التطوعي داخل الدولة، حيث شاركت في مبادرات وفعاليات مجتمعية وثقافية وإعلامية، وجدت فيها أن التطوع ليس مجرد تقديم وقت أو جهد، بل مساحة حقيقية للتأثير الإيجابي والارتقاء والتعاضد وبناء العلاقات الإنسانية الصادقة.
من خلال هذه التجربة، بدا واضحًا كيف تحتضن الإمارات المتطوع وتمنحه الأدوات والدعم والتقدير. فالتطوع هنا منظم، ومحكوم بأطر واضحة، ويُنظر إليه كقيمة مضافة للفرد والمجتمع معًا.
لم يكن الانخراط في العمل التطوعي تجربة عشوائية، بل مسارًا يُنمّي المهارات، ويعزز الإحساس بالمسؤولية، ويُشعر المتطوع بأنه شريك حقيقي في التنمية والازدهار المثالي للوطن.
في المقابل، عززت الدولة مفهوم التطوع كمسؤولية وطنية عبر مبادرات وطنية ومنصات رسمية، وربطته بالمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية والقطاع الخاص. هذا التوجه جعل من التطوع جزءًا من المشروع الوطني، وأداة لبناء رأس مال بشري واعٍ، قادر على المشاركة الفاعلة في مختلف القطاعات، لا سيما في أوقات الأزمات والمناسبات الوطنية والإنسانية.
ولا يمكن إغفال الأثر العميق للتطوع في إعداد الشباب. فمن خلال الاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع، يتعلّم المتطوع معنى الانتماء الحقيقي، وتتكوّن لديه رؤية أوسع لدوره كمواطن أو مقيم فاعل. وقد لمستُ خلال تجاربي التطوعية كيف يُسهم التطوع في صقل الشخصية، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات القيادة والعمل الجماعي، وهي قيم لا تُكتسب في القاعات النظرية وحدها.
كما لعب الإعلام الإماراتي دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة التطوع، عبر تسليط الضوء على النماذج الملهمة وتكريم المتطوعين، ما عزز مكانة العمل الإنساني كقيمة مجتمعية راقية ومصدر فخر وطني.
في المحصلة، لا يمكن الفصل بين التطوع كثقافة مجتمعية والتطوع كمسؤولية وطنية في الإمارات. فالتجربة الإماراتية نجحت في دمج البعدين معًا، ليصبح العطاء نابعًا من القناعة، ومدعومًا بالتشريع، وموجهًا نحو الإنسان. وهنا تكمن قوة النموذج الإماراتي، حيث يتحول التطوع من فعل فردي إلى أسلوب حياة، ومن مبادرة شخصية إلى شراكة وطنية في بناء المستقبل القريب والبعيد.



(
(




