إعداد وحوار: شيرين فريد
في مسيرة الفنانين الكبار، ثمة محطات تُشكّل منعطفات حقيقية، وقد تكون أكثر حضورًا من التجارب نفسها. الفنان التشكيلي العُماني الرائد أحمد بن سعيد بن خليفة العدوي واحد من الأسماء المؤسسة للحركة التشكيلية الحديثة في سلطنة عُمان منذ مطلع الثمانينيات، ومن أبرز الفنانين الذين جسدوا هوية المكان في مراحل مبكرة من تطور الفن العُماني والخليجي.
انضم العدوي إلى مرسم الشباب عام 1982، وأسهم لاحقًا في تأسيس الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عام 1993مثّل سلطنة عُمان في عدد كبير من الفعاليات الدولية، من بينها بينالي القاهرة، بينالي الشارقة، بينالي بنغلاديش، والعديد من المحافل الخليجية والعربية. ومع ذلك، اتخذت مسيرته منعطفًا حادًا حين ابتعد عن الفن لمدة تجاوزت ستة وعشرين عامًا بسبب مسؤوليات مهنية ووظيفية أثرت على مساحة الوقت، قبل أن يعود إلى الإبداع عام 2021 بنبرة فنية أكثر هدوءًا ونضجًا.
عن البدايات، والانقطاع الطويل، وتحوّلات الرؤية الفنية، ومكانة الفن العُماني اليوم، كان لنا هذا الحوار المطوّل مع الفنان أحمد العدوي.
نبدأ من البدايات… نشأتك الأولى في بركاء عام 1966، كيف أثّرت هذه البيئة على تكوينك الفني؟
بركاء كانت وما زالت مدينة تحمل جمال البحر وهدوء الطبيعة وتفاصيل الحياة اليومية البسيطة. هذه العناصر خلقت داخلي حسًّا بصريًا مبكرًا. كنت أتأمل كثيرًا، وأحاول فهم تأثير الضوء على الأجسام، وحركة الماء، وألوان الرمال. تلك البيئة شكلت خلفية وجدانية مستمرة تعود وتظهر في أعمالي حتى اليوم.
انضممت لمرسم الشباب عام 1982، وكانت تلك من السنوات المبكرة للفن العُماني. كيف تصف تلك المرحلة؟
كانت مرحلة مليئة بالاكتشاف. مرسم الشباب كان مساحة خصبة للتعلم، يضم أساتذة ملهمين وفنانين شبابًا يشاركون الحماس نفسه. تعلّمت أساسيات الرسم والتكوين، وبدأت أطرح أسئلة عن الفن ومعناه. كانت البدايات، لكنها كانت بداية راسخة.
كنت من أوائل الفنانين الذين مثّلوا عُمان خارج حدودها… ما الذي أضافته لك تلك المشاركات المبكرة؟
كانت المشاركات الخارجية مهمة جدًا لتطوري الفني. معرض فناني الخليج عام 1984، ثم بينالي القاهرة 1988، وبنالي الشارقة 1997، وبينالي بنغلاديش 2011، كلها تجارب أثرتني على مستوى الرؤية. رأيت مدارس مختلفة وطرائق تفكير متنوعة. الاحتكاك المباشر بالفنانين من دول متعددة جعلني أعي أن الفن لغة عالمية، وأن دور الفنان يتجاوز حدود المكان.
توقفت عن الفن لأكثر من ستة وعشرين عامًا… ما الذي أدى إلى هذا الانقطاع الطويل؟
الانقطاع لم يكن قرارًا واعيًا، بل نتيجة تراكمات الحياة. عملي في وزارة البلديات الإقليمية والبيئة، ثم إدارة البرنامج العُماني للهيدرولوجيا، ودراساتي الأكاديمية، كلها أخذت حيزًا كبيرًا من الوقت والطاقة. كنت أحمل الفن بداخلي، لكن لم أملك المساحة لممارسته. ومع مرور السنوات أصبح الغياب أطول دون أن أشعر.
كيف أثرت تلك السنوات الطويلة في شخصيتك الفنية لاحقًا؟
التجربة المهنية جعلتني أكثر وعيًا وعمقًا. العمل مع الطبيعة والهيدرولوجيا مثلًا علّمني قراءة التفاصيل الدقيقة، والتعامل مع الألوان من منظور علمي. كذلك دراسة الماجستير والدكتوراه منحتني القدرة على التخطيط والصبر والبحث. كل ذلك أعطى أعمالي بعد العودة نضجًا وهدوءًا أكبر.
متى شعرت بأن العودة أصبحت ضرورة؟
في عام 2021، شعرت بأن الأمور هدأت، وأن الفراغ الروحي أصبح كبيرًا. حملت الفرشاة مجددًا، وكانت لحظة مؤثرة جدًا. أحسست أني أستعيدني… أستعيد شيئًا ظل غائبًا سنوات طويلة. ومن هنا كانت العودة.
يلاحظ محبوك أن أعمالك بعد العودة تحمل روحًا مختلفة… كيف تفسّر هذا الاختلاف؟
أعمال ما قبل التوقف كانت مليئة بطاقة الشباب ورغبة الاكتشاف. أما بعد العودة، فهناك هدوء أكثر وتأمل أكبر. أصبحت أعمل بوعي، وأتساءل عن معنى كل خط وكل لون. لم أعد أتمسك بإبهار المتلقي، بل بإرضاء العلاقة الصادقة بيني وبين العمل.
شاركت بعد العودة في معارض مهمة مثل “كنوز حب الوطن” و“إشراقة عهد”. ماذا تعني لك هذه المشاركات الجديدة؟
تعني الكثير. هي تأكيد على أن الطريق لم ينتهِ، وأن العودة ليست مؤقتة. مشاركاتي الأخيرة كانت مساحة لأقدم نفسي مجددًا، لكن بنبرة أكثر ثباتًا ونضجًا. كل معرض هو خطوة إلى الأمام.
عُرف عنك شغفك بالعمل المجتمعي أيضًا. كيف تنظر لهذا الجانب من حياتك؟
أعتقد أن الفنان جزء من مجتمع كبير، ودوره لا ينتهي عند حدود اللوحة. لذلك، ساهمت في تأسيس اللجنة العُمانية للمبارزة، وكنت نائبًا للرئيس، وساهمت في دعم رياضة أصبحت اليوم ناجحة على المستوى الدولي. كما شاركت في الاتحاد الدولي للسيارات، ولجنة التعليم بغرفة التجارة. هذه الأنشطة تكمل تجربتي الفنية ولا تناقضها.
كيف ترى موقع الفن العُماني اليوم على مستوى الخليج؟
الفن العُماني يتطور بثبات. هناك جيل جديد جريء، وهناك دعم مؤسسي كبير، وهناك اهتمام متزايد بالفنون. الهوية العُمانية واضحة في الأعمال، وهذا ما يميزها. أرى أننا نسير نحو حضور أكبر على مستوى العربية والخليجية.
ما التحدي الأكبر للفنان العُماني؟
الاستمرارية. الانقطاع هو التحدي الأكبر — وأنا مثال حي على ذلك. الفن يحتاج وقتًا ومساحة ومثابرة. البيئة اليوم مشجعة، لكن يبقى على الفنان أن يحافظ على شغفه مهما كانت التحديات.
ما رسالتك للشباب العُماني والخليجي المهتم بالفنون؟
أن يعملوا بصدق، وأن يجربوا دون خوف، وألا يبحثوا عن التقليد أو رضا الآخرين. الفن رحلة طويلة، تحتاج صبرًا واحترافًا. والأهم… ألا يستسلموا للانقطاع، لأن الفن يعود إلى صاحبه إذا ظلّ القلب متعلقًا به.
ما مشاريعك القادمة؟
هناك أعمال جديدة أعمل عليها حاليًا، إلى جانب مشاركات فنية قريبة. كما أنني أتابع مساري الأكاديمي، وأعمل على تطوير كتابي في تعليم العربية لغير الناطقين بها. المرحلة القادمة بإذن الله ستكون أكثر اكتمالًا وعمقًا.
تجربة الفنان العُماني أحمد العدوي ليست مجرد مسيرة فنية، بل هي رحلة إنسانية ممتدة بين العمل العام، والمعرفة الأكاديمية، والإبداع التشكيلي. انقطاعه الطويل لم يكن نهاية، بل مرحلة مهدت لعودة أكثر نضجًا وبصيرة. وفي أعماله اليوم، تظهر ملامح فنان يستعيد ذاته بهدوء، ويصنع طريقه بثقة، ويؤكد أن الفن الحقيقي لا يغادر صاحبه… بل ينتظره.



(
(





