|  آخر تحديث أكتوبر 23, 2025 , 16:48 م

مصطفى منسي.. صوت التشيللو الذي يعزف بالحلم


مصطفى منسي.. صوت التشيللو الذي يعزف بالحلم



 

 

حوار: شيرين فريد

 

من القاهرة إلى المنامة، يحمل مصطفى منسي آلة التشيللو كما يحمل رسالة فنية لا تعرف الحدود. هو أحد الأعضاء المؤسسين لأوركسترا البحرين الفيلهارمونية، وقائد مجموعة التشيللو فيها، مصري المولد، عالميّ الهوى، يرى في الموسيقى فلسفة حياة وتآلفًا كونيًا بين الإنسان والطبيعة.

البدايات الأولى: الحلم من القاهرة

وُلد مصطفى منسي في القاهرة عام 1979، وسط عائلة فنية عريقة؛ فجده هو عازف العود الشهير عبد الوهاب منسي، وعمّاه هما أنور منسي، عازف الكمان المعروف وزوج الفنانة صباح، وعبد الفتاح منسي، عازف القانون الأول في مصر.

نشأ بين النغم والآلة، فكان من الطبيعي أن يتّجه نحو الموسيقى. التحق بـمعهد الكونسرفتوار بأكاديمية الفنون وهو في التاسعة من عمره، وتخصص في آلة التشيللو، ليتتلمذ على يد البروفيسور الجورجي تاماز جوميلاوري، والموسيقار المصري أيمن الحنبولي، وتخرّج عام 2000 بتقدير امتياز.

رحلة التكوين والتميز

لم يكن منسي طالبًا تقليديًا، فقد سعى منذ سنوات دراسته إلى تطوير مهاراته عبر المشاركة في الماستر كلاس مع كبار العازفين في العالم مثل مستسلاف روستروبوفيتش ويويو ما.

وفي عام 1997 شارك بالعزف مع المايسترو العالمي فاليري جيرجييف في “أوركسترا العالم” بموسكو، كما شارك مع المايسترو دانييل بارينبويم في “أوركسترا ديفان” خلال حفلات موسيقية في ألمانيا بين عامي 1999 و2000.

 

 

قدّم حفلات منفردة (صولو) مع أوركسترا كونسرفتوار القاهرة وأوركسترا أوبرا القاهرة، وكان عضوًا أساسيًا في أوركسترا القاهرة السيمفوني، ثم قائدًا لمجموعة التشيللو في أوركسترا أوبرا القاهرة حتى عام 2014.

التشيللو.. صوت الرجل وروح الكون

يصف مصطفى آلة التشيللو بأنها “الكمان الجهير والأقرب إلى صوت الرجل”، ويقول”

“التشيللو بالنسبة لي ليس آلة فحسب، بل كائن حيّ يتنفس معي. عندما أعزف، أشعر أنني أتحاور مع روحي

ويضيف “الموسيقى موجودة في كل شيء حولنا — في الألوان، في الأصوات، في حركة الكون. سبع نغمات تُشكّل جميع الموسيقى على وجه الأرض، مثلما تتألف كل الألوان من سبعة ألوان أساسية. هذا الهارموني الكوني هو ما يلهمني دائمًا.”

الفلسفة الموسيقية ورؤية الفنان

يؤمن مصطفى منسي بأن الموسيقي الحقيقي لا يكتفي بالعزف، بل يجب أن يكون مثقفًا وواعياً لتاريخ الفن والإنسان. يقول “الموهوب لا يعزف فقط، بل يعيش اللحن ويفهمه. هناك من يُتقن التقنية، لكن القليل من يفهم الروح. الموسيقى تحتاج معايشة، تحتاج أن ترى العالم من خلالها”.

 

 

من السينما إلى الأغنية

لم يقتصر إبداعه على الحفلات الأوركسترالية، بل امتد إلى الموسيقى التصويرية وتوزيع الوتريات في عدد من الأفلام والألبومات، منها فيلم “أحلام عمرنا” للمخرج عثمان أبو لبن، وفيلم “الغواص”، الذي وصفه بأنه تجربة مليئة بالتحدي والمشاعر المعقدة.

إضافة إلي ألبوم “حب العمر” للفنان الراحل عامر منيب، حيث شارك مصطفي منسي بالعزف والتوزيع الكامل للوتريات ،كما تعاون مع مطربين بارزين مثل كارول سماحة في أغنية “أنا قلبي ليه حاسس”، وأمل حجازي في “قلبي نداك” و”يا أحلى ما في الأيام”، وشاهيناز، وأحمد العطار، وغيرهم .

من القاهرة إلى البحرين: فصل جديد

في عام 2014، وصل مصطفى منسي إلى مملكة البحرين، حاملاً معه خبرة عقدين من الزمان في العمل الأوركسترالي، وتم ترشيحه للانضمام إلى مشروع تابع لوزارة التربية والتعليم، ليصبح لاحقًا أحد المؤسسين لأوركسترا البحرين الفيلهارمونية.

يقول منسي عن التجربة “منذ أول بروفة شعرت أنني أمام حلم يتحقق. د. مبارك نجم استطاع أن يجمع نخبة من العازفين المحترفين وأن يؤسس أوركسترا بمستوى يليق بالبحرين، وبما تمثله من واجهة حضارية وثقافية مشرقة”.

عن البحرين والهوية الموسيقية

يؤمن منسي أن العزف في البحرين لا يقتصر على الأداء الفني، بل يتطلب تفاعلًا إنسانيًا وثقافيًا مع روح المكان ولكي تعزف الأغنية البحرينية بصدق، يجب أن تعيشها. أن تفهم كيف يحزن البحريني وكيف يفرح، وأن ترى بيوت المحرق القديمة وتستشعر البحر واللؤلؤ والتاريخ.

ويضيف بإعجاب “الدكتور مبارك نجم وحّد الأرواح داخل الأوركسترا وجعلها بحرينية الهوية. ما قام به يشبه النحت في الصخر، لكنه نجح في أن يجعل من هذا الحلم واقعًا فنيًا خالدًا.”

ما وراء النغمة

يقول مصطفى منسي: “العازف الحقيقي لا يقرأ النوتة فقط، بل يقرأ الفكرة والهدف وراء العمل. الموسيقى ليست أصواتًا متتابعة، بل مشاعر مترابطة. من لا يقرأ القصة وراء اللحن لن يصل إلى روح الجمهور”.

ويختم حديثه بتقدير عميق قائلاً ” أشكر الدكتور مبارك نجم، الموسيقار الذي كوَّن هذا الصرح الموسيقي العظيم، أوركسترا البحرين الفيلهارمونية، والذي استطاع أن يجمع بين النخبة من العازفين ويصنع كياناً يليق باسم البحرين وثقافتها. لقد منحنا فرصة حقيقية لنكون جزءاً من حلمٍ عربيٍّ راقٍ، يُعيد للموسيقى الكلاسيكية مكانتها في وجدان الناس، ويجعل من البحرين منارة فنية مضيئة في المنطقة والعالم.”

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com