حوار خاص أجرته الكاتبة: شيرين فريد
العلم طريق النور… والجهل عدو الإنسان
في لقاء استثنائي يفيض بالحكمة والإنسانية، التقت الكاتبة شيرين فريد بالسيد الموقر الدكتور سيمور بن راحم نصيروف، رئيس جمعية الصداقة المصرية الأذربيجانية، الذي كرّس حياته لنشر العلم والثقافة وبناء روابط المحبة بين الشعوب.
استهلّ الدكتور نصيروف حديثه بكلمات امتنان قائلاً: “أتوجه بالشكر والعرفان إلى فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، لأنه اختارني ومنحني هذا التكريم الذي أعدّه وسامًا على صدري وتكريمًا لكل من يسعى لنشر العلم وخدمة الإنسانية”.
ثم أضاف مؤكدًا: “الهدف الأساسي هو كيف نُسهم في نشر العلم، فعدو الإنسان هو الجهل، والإنسان عدو ما يجهله. لذلك نرفع في جمعيتنا شعار (اقرأ)… لأن بالعلم وحده تتقدم الأمم .”
المنهج الأزهري الأصيل… منبع الوسطية والنور
تحدث الدكتور نصيروف عن المسار العلمي والفكري الذي تبنته الجمعية منذ تأسيسها، قائلًا ” نحن في الشرق نمتلك جمالًا وتاريخًا عريقًا للثقافة. ومن أهدافنا الكبرى تعليم اللغة العربية وفق المنهج الأزهري القديم، مثل منهج الآجرومية وشروح ابن عقيل. درسنا في أروقة الأزهر الشريف، ونسعى أن نُورث هذا العلم للأجيال القادمة .”
ويتابع موضحًا “في جمعيتنا نُدرّس العلوم العربية من نحو وبلاغة وصرف وقراءات القرآن الكريم. وبعد أن يتقن الطالب العلم، ينال الإجازة بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ، وهو شرف عظيم في العالم الإسلامي كله”.
ويستذكر مثله الأعلى قائلًا ” مثلي الأعلى هو الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي قال في إحدى محاضراته: ليس بخير أن تكون أخطر من ذلك الجاهل، فالجهل عدو خبيث”.

ثلاثة وعشرون عامًا من العمل التطوعي والعطاء العلمي
منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، أسّس الدكتور نصيروف هذا الصرح العلمي لخدمة طلاب العلم بالمجان، حيث استقبلت الجمعية طلابًا من أكثر من مئة دولة حول العالم.
> “بدأنا بطلبة الأزهر الشريف في علوم اللغة العربية والقراءات المختلفة، ووسعنا نطاق نشاطنا لخدمة الدارسين من شتى الدول. العلم عندنا رسالة وليس مهنة، وميراث الأنبياء لا يُباع ولا يُشترى”.
ويتابع ” لقد تربّيت على يد فضيلة الشيخ علي جمعة، والسيد محمود الشريف نقيب الأشراف الحالي، ويشرفنا في الجمعية وجود الدكتور أسامة العبد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، دعمًا لمسيرتنا في نشر العلم والثقافة”.
العلم والحرفة جناحا التنمية
لم يتوقف عطاء الجمعية عند التعليم الشرعي والثقافي، بل امتد إلى تمكين ذوي الدخل المحدود عبر التدريب المهني المجاني.
“نُعلّم الناس حرفة صناعة السجاد للنساء والرجال والأطفال مجانًا، لنساعدهم على بناء مصدر رزق كريم. لدينا أكثر من 175 طفلًا نعلمهم القراءة والكتابة والقرآن على طريقة الكتاتيب القديمة، لأن التربية تسبق التعليم”.
ويضيف بابتسامة تحمل عمق الرسالة ” إنما بُعث النبي ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، لذلك خصصنا صفوفًا لتعليم الأخلاق والسلوكيات الحسنة للأطفال، فصلاح الأمة يبدأ من تربية النشء”.
رسالة الأزهر… دعوة إلى السلام والتسامح
يرى الدكتور نصيروف أن المنهج الأزهري الوسطي هو منهج حياة شامل، يخاطب الإنسان في كل مكان، ويغرس في النفوس قيم الاعتدال والتعايش الإنساني.
المنهج الأزهري الأصيل يخدم الإنسان في كل العالم العربي والإسلامي. هدفنا نشر التسامح، وإعلاء القيم الإنسانية السليمة، ونشر السلام بين الشعوب.
المصريون كُرَماء… ومصر وطني الثاني
بمشاعر فياضة بالعرفان، تحدّث الدكتور نصيروف عن مصر قائلاً “المصريون كرماء وطيبون، أعيش بينهم منذ ثلاثين عامًا. لقد استقبلوني ودعموني وأكرموني، فصارت مصر وطني الثاني الذي أحب وأدين له بالفضل”.
اللغة العربية… هوية الأمة ومفتاح نهضتها
وفي ختام حديثه، عبّر الدكتور نصيروف عن قناعته بأن اللغة العربية هي العمود الفقري لحضارة الأمة العربية والإسلامية، قائلاً” لن نتقدم إلا بلغتنا العربية، فإذا لم نهتم بها نحن العرب، فمن يهتم؟ لغتنا وعاؤنا الحضاري، وبها نحفظ ديننا وثقافتنا وهويتنا “.
جمعية الصداقة المصرية الأذربيجانية: جسر حضاري وإنساني بين الشعوب
تُعد الجمعية واحدة من أنشط المؤسسات التي تعمل على ترسيخ قيم التعاون والتفاهم الثقافي، وتشمل مجالات عملها

أولًا: الصداقة بين الشعوب
تعزيز العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين الدول
تبادل الوفود والزيارات وتأسيس رابطة للجالية الأذربيجانية في مصر
ثانيًا: الخدمات الثقافية والعلمية والدينية
إقامة الندوات والمحاضرات العلمية والثقافية
فتح فصول لتعليم القرآن واللغة العربية وفق منهج الأزهر الشريف
إنشاء مكتبات علمية ومراكز بحثية وجامعات مفتوحة
إصدار مجلة ثقافية علمية دورية
ثالثًا: المساعدات الاجتماعية
تقديم الدعم المادي والعيني للأسر وطلاب العلم غير القادرين
طباعة الكتب ونشر المقالات العلمية
كفالة الأيتام وتمويل الطباعة والنشر
رابعًا: التنمية الاقتصادية
إنشاء مشروعات حرفية وتدريب الأفراد على الحرف التراثية.
دعم الأسر لإقامة مشروعات صغيرة تعزز من دخلها وتمنحها حياة كريمة.
وتُنفذ جميع الأنشطة وفق أحكام القانون رقم 149 لسنة 2019 وتحت إشراف الجهات المختصة، لتبقى الجمعية نموذجًا مشرفًا يجمع بين العلم والعمل والإيمان بالإنسان.

كلمة أخيرة بقلم الكاتبة شيرين فريد
وأنا أغادر مكتب الدكتور سيمور بن راحم نصيروف، أدركت أنني لم أكن أمام رجل عابر في سجل العلم، بل أمام مؤسسة إنسانية تمشي على الأرض. في صوته نبرة العالم المتجرد من الأهواء، وفي عينيه ومضة من نور الأزهر، وفي كلماته دفء الإنسان الذي آمن أن إصلاح الأرض يبدأ من إصلاح العقل والخلق.
لقد تحدّث عن العلم، لكنه كان في جوهره يتحدث عن الحياة، وعن الإنسان الذي يسعى ليكون نافعًا للناس. في كل جملة كان يضع لبنة في مشروع حضاري قوامه: اقرأ، تعلّم، واعمل، وكن نبيلاً في عطائك.
إن ما يقدمه هذا الرجل منذ أكثر من ثلاثة عقود ليس مجرد تعليم أو وعظ، بل رسالة إنسانية خالدة تؤمن بأن المعرفة طريق الحرية، وأن الجهل غياب للنور. ومن خلال جمعية الصداقة المصرية الأذربيجانية، لا ينشر الدكتور نصيروف لغةً وثقافة فحسب، بل ينسج خيوط المحبة بين الشعوب ويعيد إلى الأذهان صورة العروبة في أنبل معانيها: العلم، والكرم، والتسامح.
وتبقى كلماته تتردد في الأذهان:
“لن نتقدم إلا بلغتنا العربية، فإذا لم نهتم بها نحن، فمن يهتم؟”
كلمات تختصر رسالة أمة وتؤكد أن اللغة ليست وسيلة للتخاطب فحسب، بل جسر عبور نحو الخلود.




(
(





